" أكتب كي أبعث الحياة في الناس و في الطبيعة و في الأشياء" محمد خير الدين

2.23.2008

*أضواء شاردة

تنبيه:«*تعود أحداث النص إلى ما قبل منع دخول المغربيات دون 36 سنة إلى المملكة الأردنية الهاشمية."
ا)

«سأذهب..» قالها كالموجوع!

و بصوت مفجوع رددت خلفه:« ستذهب!!؟؟» لأنني لم أصدق بأننا سنفترق بهذه السرعة، أو على الأصح لم أصدق بعد أننا التقينا..

«ربي لا أعترض على مشيئتك، لكن لما جعلت في جوفي قلبا مغفلا هشا!!؟ لما جعلتني أحب شخص ليس لي؟ لما جعلتني أتعلق بطيفٍ راحلٍ يبخل عليّ بلحظة واحدة!!.»

أشار إلى سائق سيارة الأجرة الذي كان ينتظره منذ أن أوصلنا إلى باب مطار عمان الدولي قبل ربع ساعة.

في سري تمنيت لو أن السائق ذهب لحاله و ترك سعدا معي، لكن آني لهذا الزلمة الزنبرك الغشيم ـ بعض بركات الأردن ـ أن يسمع نداء امرأة لا تريد من هذا الكون برمته؛ سوى لحظة في مكان هادئ مع رجل قد لا تجزم بلقاء آخر بينهما!! أريد لحظة واحدة فقط لأودعه على طريقتي، لكن لا حياة لمن تنادي! يالا هذا الزمن البخيل!!

« لقد مر الوقت بسرعة !!» قالها سعد ربما ليوقظني من جفولي أمام الرصيف ..

صرت أمقت أرصفة الوداع في العالم بأسره .. فما أكثر من غَيَّبتهمُ الأرصفة عني. ليصبحوا مجرد ذكرى؛ أو عناق في عجل، يليه غياب بلا عودة، كثيرا ما كنت أعود إلى ذات الأرصفة كلما اشتقت إليهم؛ لأسألها إذا ما عادوا؟ أو مروا من هنا يوما ما؟ و إذا ما تذكروني، و أسألها عن نوع عطرهم و لون قميصهم و هل كانوا لوحدهم، أم أن أخرى ودعتهم على ذات الرصيف حيث ودعتهم ذات مساءٍ أو ذات صباح..!!؟

السائق يشير إلى سعد ليصعد، و قلبي يشير إليه بأشياء لا حصر لها؛ أردت أن أبكي، أن أتعلق به كالأطفال أو حتى كالمجانين قائلة :« لا تذهب ..أرجوك .. بحق أغلى شيء لديك لا تذهب.. عد معي إلى المغرب.. و سأبني لك بيت دافئ فوق الأطلس.. و سأنصب لك خيمة ظليلة في الصحراء .. و سأنحث لك نصب تذكاريا في قلبي..سأفعل أي شيء، و كل شيء؛ لكن فقط لا تذهب الآن..أرجوك؛ أوقف ساعات العالم، أوقف الأرض عن الدوران؛ افعل أي شيء لتبقى معي..لا أطلب ما تطلبه النساء من قبلي أو من بعدي؛ لا أريد قصرا، و لا ماسا، و ذهبا، و لا أطفالا حتى، أريد فقط؛ نسمة هواء، و قطرة ماء، و جذوة نار، و لحظة معك ..رجاءا لا تكن بخيلا!!» تاهت عبارتي في طريقها إلى فمي فلم أسمع منها حرفا واحدا! و لم يعي غيري لحظة ميلادها و لا تأبينها.

مد يده ليودعني؛ لينهي المشهد المشخص أمامه، و ذاك الصراع المرتجل بداخلي؛ تلقفت يده كالمستغيثة علها تفهم رجاء يدي الباردة المرتجفة، فتقنعه ليبقى للحظة أخرى...

نفذ صبر السائق من الانتظار و تعب من التزمير و من تعديل عقاله فوق غطاء رأسه الأحمر؛ ففتح الباب و بعد أن حدق إلينا مليا؛ صاح و هو يمرر يده على شاربه الرمادي:«يا أستــاذ ستتأخر عن الباخرة.. لازال أمامنا طريق طويل.. يجب أن أُوصِلكَ إلى ميناء العقبة قبل حلول الظلام!!»

تجاهلتُ كلام السائق، و أبقيت يدي ممسكتا بيد سعد بقوة، حين وجد أن يدي تأبى إطلاق صراحه؛ تردد قليلا ثم تقدم بوجهه نحو خدي... قبل أن أعي تمام مقدار وخز ذقنه كانت يدي قد تركت يده في استسلام..

قفز إلى السيارة بسرعة مخافة أن تفوته الرحلة إن هو استسلم لنداء صدري الملح ساعتها.. لينطلق السائق بسرعة قصوى كالشامت من توسلاتي البكماء.

رحل دون أن يترك لي شيئا؛ سوى هدير بأذني، و وخز بخدي! يالا هذا الزمن البخيل!! مع ذالك أحسست بالفخر لأن دموعي لم تترقرق إلى حين أغلقت خلفي مرحاض المطار، و استمتعت في نرجسية بالشكل المنعكس في المرآة؛ تورم عيني، و احمرار أنفي، و خطوط الكحل الممزوج بدموعي، جعلوا من وجهي لوحة سريالية، يصعب أن أرسم مثلها يوما. لم أدري كم مر عليَّ من الوقت و أنا على ذلك الحال!! استرجعت أنفاسي و عدَّلت من شكل البشاعة قليلا؛ كي لا يفزع مني رواد المطار، ثم غادرت المرحاض، لأخذ دوري في طابور التفتيش و التأشير على جوازي و التأمين على لوحاتي، التي قضيت نحو ساعة رفقت سعد نلفها بعناية، أنهيت الإجراءات و جلست أتأمل عمال النظافة، و أودع وجوه الأردنيين، فمن يدري قد لا أعود مرة أخرى!! و أَمْتَنُّ لهم سرا على أن لقاء مهم قد وقع على أرضهم.

عند بوابة الطائرة التفت إلى الخلف، لتأكد أن لا أحد يركض في مدرجات المطار ليلحق بي كما يحدث في أفلام هوليوود، و يهمس خلفي:« لن نفترق..لأني لا أحتمل لحظة أخرى بعيد عن عينيكِِ، و جاذبية الأرض كلها لا تساوي جاذبية ابتسامتك..إني رجل متعب جدا؛ فأفردي حولي ذراعيكِ؛ فصدرك كل ما أحتاج إليه لأكون بطلكِ إلى الأبد..»

لكن لا أحد تعقبني سوى تلك الوجوه جامدة المسافرة مثلي في هذه الليلة.

أخذت مكاني بجانب إمراة لم تكف منذ جلست عن الهمهمة بما يشبه دعاءا حين لاحظت انتباهي لحركاتها قالت بلكنة حجازية واضحة:« العواصف الثلجية و المنخفضات الجوية تكثر في هذا الفصل و تسبب الحوادث.. ربنا يستر..»

آه لو عَلمت هذه المؤمنة أنني قبل ساعتين فقط كنت أشتهي رجلا؛ و لو أنه أمهلني لحظة أخرى لكنا قد أنجبنا عشرة أطفال دفعة واحدة.. آه لوعَلِمت بذالك؛ ربما لجاهدت فيّ حق جهادها!!

يتبع

2.15.2008

سكوت تزارت تتكلم




ميس: أول سؤال كم عمر مدونتك و لما أنشأتها أصلا؟؟

تزارت:التاريخ مدون جانبا، أنشأتها لأني حلايقية/حكواتية تهوى الثرثرة و السرد و التبركيك و إن لم تفهمي معنى التبركيك فأحيلك على العلامة (
زيفا) صاحب معجم لسان المغرب؛ حيث أورد في مادة برككة قوله:« العامة في المغرب يقولون " التبركيك " - مع ثلاث نقط فوق الكاف واللفظة مشتقة من فعل برقق يُبرقق أي نقل الخبر بسرعة البرق»

ميس:في حوارات سابقة أجد دايما تزارت تحاول الاختباء و راء قناع سميك، و أحيان تموه في الكلام ، و تسد دائما أي مجال لتعرف عليها خارج المدونة، فأغلب المدونات التي أزورها و لو بشكل سري أجد شي إسمو بروفايل فيه معلومات خاصة عن المدون و إميل و صور... بس تزارت ما بنشوف إلها غير لفظة إمرأة أسفل اللقب!! لما كل هذا الغموض الذي تحيطين به نفسك؟

تزارت:ههه .. الشخصيات العامة و الشهيرة تخفي نفسها عن الأنظار ... فيروز تتحاشى اللقاءات الصحافية دائما !! و لا أحد يعرف تفاصيل حياتها؟؟ .. لكن الكل يحبها ..هناك من يقول أن الجمال يبلى حين يعرض!! ..هذه مبررات لا ينطبق أي منهما علي، أوردها فقط كنوع من توطئة ثرثارية.. كنوع من الهروب من أسئلة متشابه فيها. بالنسبة لي إن كان القبوع في مكان مظلم سيهبني مساحة أكبر للحرية؛ سأختاره ،و لن أحفل كثيرا بما يصف به الآخرون اختياري

ميس: هل المعرفة الناس لك قيد لحريتك ؟

تزارت:هل المعرفة تقيََّد أم تحرر ؟؟ إشكالية و ليس سؤال

ميس: هل سبق أن التقيت بأحد من المدونين؟

تزارت: نعم

ميس: هل تكذب تزارت؟

. تزارت: نعم..و أجتهد دوما على جعله كذبا فنيا مصقولا بعناية ليستحق أن يصدق

.. ميس :طيب من خلال كل القصص إلي قرأت لك لحد هلا، بنشوف البطلة _و يمكن تكوني إنت _؛ شايفة حالها و بروجوزية التفكير..يا إما مالها شغل إلا لتتطلع بالناس .. ياما شاعرة عاشت بجنيف يا ثرية صاحبة دار الضيافة فليش بطلاتك ديما هيك؟

تزارت:إن لم ترقك هذه العينة قد تعجبك صاحبة السلم العاشر!! أنا لا أختار هذه الشخصيات أو تلك بل هي من تتأتي إليَّ زحفا.. السؤال ربما كان يجب أن يكون: من أين تأتي الأفكار و بالتالي الشخصيات؟ . عدا هذا فلست أبدا بورجوازية أنا مدسوسة دوما بين البروليتارية إن كان هذا اللفظ لا زال صالحا للاستهلاك

ميس: بعرف إنك بتقري كثير ، شو بتقري هاالأيام

تزارت: أقرأ دروسي

ميس: أنت تراوغين كثيرا، شو رأيك تتكلمي بصدق

تزارت: حتى الصدق نسبي في صدقه

ميس: ههه شو إنت درستي فلسفي؟

تزارت: بل انا لم أدرس أصلا

ميس: شو أخبار ولد البلاد؟ و شو علاقتكو ببعض؟؟

تزارت: أما أخباره فيمكنك توجيه السؤال إليه، أما علاقتي به!! فهذه سابع أو عاشر مرة يطرح عليَّ هذا السؤال و الجواب: أن النص " هاربة إلى فم لحسن" من وحي الخيال، و و لد
البلاد لم ألتقي به لا على مثن القطار و لا فوق الحمار

ميس: شو زعلتي ، إعتبريها إشاعة ما هيك بيحصل مع المشاهير. طيب إذكري لي إسم مدون واحد تتأثرين به و بتشوفي إنو كثير متميز

تزارت: حين ألحظ تميز أحدهم أو حين أتأثر بنص لدى مدون ما أخبره بذالك مباشرة

ميس: ما هي المهنة التي تمارسين أو تودين ممارستها مستقبل؟؟

تزارت: مسؤولة تنفيذية في "الديسطي" المخبارات المدنية المغربية

ميس: ربنا يستر منك... هل فكرت في إغلاق مدونتك يوم؟

تزارت: أكثر من مرة

ميس: لماذا ، أنا شايفة إنو قراءك في تزايد مستمر؟

تزارت: تساورني الرغبة في إغلاقها عقب إنسحاب مدوننين؛ لكتابتهم وقع خاص لدي،... أرغب في إغلاقها أيضا كلما إعترتني لحظات الملل، أو التساؤل عن جدوى ما أكتب.. لكن في كل تلك المرات أجدني أجبن من أن أضغط على الزر "امسح" لأصبح نسيا منسية

ميس: الله يدوم عليك جبنك مشان لا ننحرم من قصصك

تزارت: أي نوع من الجبن: المتزريلا أم البقرة الضاحكة!؟


ميس: ههه.. هل قصص تزارت لها صلة بها، بتعبير آخر شو حدود الحقيقة و شو حدود الخيال ؟

تزارت: كم يتعبني هذا السؤال،في كل قصة هناك جزاء واحد من الحقيقة و التسعة و التسعون بالمئة الباقية خيال

ميس: صندوق المصائب حقيقي؟؟

تزارت: هههههه..أعاني من حساسية من القطط .. لدى أفضل تربية السلاحف

ميس: كيف تحضرين نص ما؟؟

تزارت: تسألين و كأنني روائية تتصدر أعمالها لائحة أعلى المبيعات

ميس: أحس أن هناك مجهود خاص وراء كل نص..لدى أريد أن أعرف الخطوات التي تتبعينها

تزارت: سأقتصر على كواليس نص عبد الله السملالي أو "رسائل بلا عنوان" الذي نال عدد أكبر من تصفيقات الجمهور.. أول شيء كتبت رسائل بلسان رجل يائس؛ و عدد الرسائل التي كتبتها أكثر بكثير من تللك التي نشرت، بعدها فكرت في إسناد الرسائل إلى محتضر يعاني سرطان، و قرأت عن الأورام السراطانية عموما، إلى أن وجدت أن سرطان الرئة هو المناسب لعبد الله السملالي بحكم أنه كان يتعاطى كل شيء؛ رغم أنني لم أركز على مسألة إدمنه قدر تركيزي على رسائله. باختصار كل شيء مرتبط بالفكرة التي تكون الموضوع، حين أجدها أشرع في تنفيذها و حين لا
أجدها أبعث لها إميل أستعجلها فيه..

ميس: هل تعتقدين أن التدوين و المدونين يمكن أن يقوموا بتغير لرفع من حرية التعبير فها العالم المتخلف .؟؟

تزارت: قد يبدو ما سأقوله متشائما بعض الشيء لكن ليس لدي غيره..... إن لم تفلح كائنات حقيقية تعلن نضالها و تمارسه بمسؤالية مع الإفصاح الكامل عن هويتها المدنية و تتكبد من أجل ذالك ضرائب ضخمة على المستوى الشخصي قد يصل في أسوء الحالات إلى الإغتيال و في أحسن الحالات إلى تعتيم و تميع الصورة لكي لا يُتعاطى مع فكرتهم على نطاق أوسع...!! فكيف تستطيع عينة إفتراضية تحتمي وراء الأجهزة و وراى أقنعة و ألقاب حركية ، و لا تخرج مشاركاتها في أحسن الأحوال عن مجال الخواطر الإنشائية.. أو القصاصات الإخبارية.. أن تغير شيء!! و إن كان لجماعة المدونيين تأثير ما فسيكون جد ضيق بسبب ما ذكرت و أيضا بسبب الأمية ..التقنية التي ستعيق إنتشار أفكارها _ إن وجدت_ في غير أوساط المدونين عذرا سأنسحب الآن .إن لم يكن كلامي مقنعا ..أحيلك مرة أخرى على زيفا فقد كتب عن الموضوع .....

ميس: أوكي هل تسمحين لي باقتراحين: ان تضعي الحوار في مكان آمن للبوح و تضعين له العنوان "سكوت..تزارت تتكلم "؟؟

تزارت: حاضر

ميس: سعدت بلقائك

تزارت: أنا الأسعد

-----
تم الحوار بتاريخ 8 فبراير2008
الحادية عشر و خمسة عشر دقيقة بتوقيت غرينتش
سجل اللقاء مشكورا السيد: جميل/ gmail


2.04.2008

صندوق المصائب


َّ لم أعرف كم مضى عليََّ من الوقت و أنا أدق الباب، لقد انشغلت بالقطط الستة التي في الصندوق بين يدي؛ و التي ترفع إليَّ عينيها في استجداء لأعيدها لأمها؟ أو تسأل عن مصيرها! و في إصرار حدقت إلى عيونها لأعلمها أنه لا فائدة من استجدائي لن أعيدها إلى بيتي يعني لن أعيدها؛ كيف سأعيدها! ماذا سأصنع بستة قطط حديثة الولادة و أمها، التي لن أغفر لها خيانتها حين استقبلت قطا أجربا على فراشي في غيابي!.

أعدت طرق الباب و من كثرت حنقي فعلت ذالك بقوة؛ لينفتح الباب بعدها، و يخرج لي رجل نصفه الأعلى عاري؛ من الصدمة حاولت أن أتذكر كم الساعة؟ لقد كانت العاشرة و النصف حين غادرت شقتي يعني أن الوقت ليس مبكرا!.

-« ماذا هناك لما تدقين بقوة؟!؟ لقد اعتقدت أن البوليس جاء ليفطر عندي!!» قالها و هو يحاول إبقاء عينيه مفتوحتين. -« هل أيقظتك أنا متأسفة، لكن أريد أن تأخذ هذه القطط لأنها أولاد قطك.»

فغر فاه المتثائب أصلا: -«هــا نــعم!!!!!!»

كيف سأشرح له الأمر؟ لقد كنت أتوقع أن المهمة أسهل مما تبدوا أمام هذا الرجل المستفز بعريه و بصدره الذي تساوي كتافه الشعر فيه كثافته في رأسي؛ و يمنع عني الأكسجين لأنه يسد عرض الباب؛ لا ليس عريضا إلى ذاك الحد لكنه يوشك.

كنت أعرف أن ما سأقوله سيبدو سخيفا لكن لا مناص من الأمر لا يمكنني التراجع؛

- « سيدي قبل أيام، عدت إلى بيتي كالعادة مساءا؛ فوجدت قطتي قد ولدت ستة قطط، و أحيطك علمنا أنني أغلق الباب دائما قبل أن أغادر البيت و رغم ذالك حملت القطة تصور !!! »

- « نــــعم و ما شأني أنا بقطتك؟!! هل قالت لك بأنني الفاعل؟!! » قالها و انفجر ضاحك. ازداد تورطي وكرهت في قراراتي هذه المهزلة التي عرَّضت نفسي إليها.

تحاشيت النظر إلى صدره كي لا يزداد تلعثمي على ما هو عليه، و أبقيت بصري مركز على القطط التي هدأت تماما و كأنها مستمتعة بهذه المسرحية السمجة التي أعرضها أمام أنظارها .

-« حاشك أن تكون الفاعل، لكن يا سيدي صبرا عليَّ الأمر محرج شيء ما، كما قلت لك أن قطتي لا تغادر البيت أبدا، و كانت صدمت كبيرة بالنسبة لي أن تلد، ماذا سيقول عني الناس.. لم أحسن تربية قطتي؟؟!! لدى فقد أخفيت الأمر عن الجيران، و قمت بالتحريات عن الجاني فتبث لي أن قط يدخل من شباك نافذة المطبخ يزورها باستمرار؛ و قد تبعته فوجدته يدخل بيتك .!»

بدا أن ما قلته ليس مهما لدرجة أن يغلب بقايا النعاس الذي يطبق على عينيه، بحلق إليَّ بصعوبة ثم دخل و تركني جامدة في مكاني.

فكرت في التراجع عن المهمة و العودة إلى البيت بالقطط، لكن لا يمكن أن أرض لنفسي مهانة لأستسلم في هذا الصباح! دخلت ورائه رأيته يدخل الحمام فتراجعت قليلا و بقيت عند عتبته، لمحته ينحني ليغسل وجهه و يمسحه بمنشفة زرقاء كانت معلقة على يمينه، لمحت نقطة سوداء على كتفه العاري! لعل أمه توحمت على الزبيب؛ فالنقطة بحجم زبيبة سوداء!! لم ينتبه لملاحظاتي لأنه كان منهمك في تدقيق النظر إلى ذقنه في المرآة، بعد أن تأكد أنه لا يحتاج لحلقه اليوم خرج من الحمام.

وقف قبالتي، فقلت في عجل لأتم مهمتي و أرتاح:« بما أن قطك هو الفاعل فيجب أن يتحمل مسؤولية فعلته .» و دون أن يقول شيء دخل للغرفة تبعته إليها؛ يجب أن أخذ منه موافقة نهائية لأترك له القطط .

رأيته يفتح الدولاب و يخرج بنطالا أسود و قميص مماثل، و رابطة عنق مخططة بالباج و الأسود، و سترة سبورت باج، و ضع الكل على سرير لشخص واحد يتوسط الغرفة، ثم جرَّ حذاءا باج به جورب من تحت السرير..

انتهت جرأتي عند هذا الحد؛ فلم يكن ينقصني سوى أن أشاهده و هو يغير القطعة الوحيدة التي يرتدي، تركته و جلست في انتظاره بكنبة بوسط الشقة. بعدها بقليل خرج من الغرفة و قد ارتدى البنطال و حمل القميص في يدي متقدم نحوي نهضت قائلة " هل أترك لك القطط هنا ؟؟»

-« إني مستعجل لو سمحتي افتحي لي ثقب أزرار هذا القميص، لم يسبق أن إرتديته، ستجدين السكين بالمطبخ.» قالها و دون أن ينتظر جوابي دخل من جديد إلى غرفة النوم.

قصدت المطبخ؛ المغسل ممتلاء بالأواني المتسخة؛ أخذت السكين و خرجت بسرعة كي لا تهرب القطط التي تركت فوق الكنبة!!.

و رغم تذمري من طلبه، إلا أنني هونت من الأمر لأنها خدمة بسيطة مقابل تكلفه بالقطط. فتحت الثقوب و وصلني صوته يقول:« إن انتهيت أحضري القميص رجاءا!!»

حين دخلت الغرفة وجدته يعقد حذائه، ثم استدار و مد يده إلى الوراء لألبسه القميص، ما هذه المصيبة لم يكن ينقصني سوى أن أُلبَس رجل على أخر أيامي!!!! فكرت في أن أرمي له قميصه و أغادر، لكن بقائه على وضعيته و تلك الشامة بكتفه أخارت قواي، قربت القميص من يديه..

-« شكرا ..» سمعته يقولها و أنا أغادر الغرفة لكي لا يطلب مني أن أغلق الأزرار كذالك؛ فظهره و شامته مقدور عليهما أما صدره فمحال!!!.

قبل أن أغادر الشقة رمقت الصندوق على الكنبة و كأنني أوّدع القطط إلى مصيرها المجهول، خرجت مسرعة، لكن الكارثة أن أحد القطط الملاعين لحق بي إلى السلالم، فلم أجد بُدّاُ من أن أحمله ثانية و أعود متسللة لأضعه في الصندوق، و هذه المرة أغلقت الصندوق و مزقت فوهة صغير لينفذ منها الهواء، حين أنهيت مهمتي؛ كان الرجل قد ارتدى ملابسه و خرج من الغرفة، و كمن ضبطت متلبسة بفكرة مشينة قلت و ابتسامة بلهاء تعلو وجهي:« هكذا لن تغادر القطط الصندوق حتى تعود من العمل، لا تقلق لقد أطعمتها جيدا قبل أن أحضرها إليكَّ.»

انحنى و حمل الصندوق و قدمه إليَّ و اخترقتني نظراته التي لم أستطيع التصدي لها و قال:« خذي الصندوق الآن و سأتصل بك مساء حين أعود لندرس أمر قطط و نرى من المذنب قطي أم قطتك ؟؟!»

و بشكل حازم و كأني أدافع عن بنات جنسي و ليس عن قطة قلت:« لا قطك هو المذنب، لقد غرر بقطتي المسكينة الساذجة التي لا حول لها و لا قوة، و لا تعرف عن هذه الدنيا شيء و صدقت حيله و أكاذيبه، ثم إنه هو الذي اقتحم عليها خلوتها، هذا اغتصاب مع سبق الإصرار و الترصد..!»

أحنى رأسه نحوي و أماله و كأنه يطل على شيء فيَّ، و ضع يده على جبهتي كمن يقيس الحرارة، و استمر في التحديق إليََّ؛ أحسست و كأنه يعرِّيني بنظراته تلك، اعتراني خجل لحظي و بشكل آلي أخذت الصندوق منه و تبعته لنغادر شقته. ببلادة عدت للقول:« خذ معك القطط إلى العمل، يمكنها أن تبقى بالسيارة إلى أن تنتهي من عملك. »

عاد إلى نظراته ذاتها و قال:« الله يهديك ..»

- « خذ القطط و سيهديني.! »

نزلنا السلم و قررت أن لا أزيد خطوة أخرى حين وصلت لباب شقتي فقلت:« هيا خذ القطط الآن، سأدخل لبيتي .»

- « يا جارتي إني مستعجل و لا وقت لدي لهذا...»

وضعت الصندوق في عصبية على الأرض و قلت:« فلتخذها أو سأتركها هنا..»

-« كم أنت جميلة حين تغضبين!! »

-« ستأخذ القطط برضاك أو رغما عنك، الأمر سيان، فقطك هو السبب، و لن أهتم بستة قطط و أمها !!»

انحنى على الصندوق و حمله ثم قدمه إليَّ لامسا يدي سرت حرارة يديه بكل أوصالي ثم قال :« هل تقبلين دعوتي على العشاء لناقش أمر القطط؟؟»

و دون أن أدري كيف انفلتت مني هذه الجملة التي رميته بها :« أهــاه لنناقش أمر القطط!! أم لتفعل بي ما فعل قطك بقطتي؟!! »

رددت السلالم صدى ضحكته و أردف و هو ينزل باقي السلالم:« لو كانت قطتك بمثل شراستك ما حصل ما حصل.! »

و لأن الاستسلام ليس من طبعي كتبت على ورقة :« ست قطط لقيطة لتبني، أنقدوا هذه الطفولة، اكفلوا ستة أيتام تخل عنهم أبوهم لتدخلوا الجنة من أي باب شئتم. لجميع المعلومات يرجى الاتصال بالشقة 8 .» ثم علقتها على باب العمارة