" أكتب كي أبعث الحياة في الناس و في الطبيعة و في الأشياء" محمد خير الدين

12.24.2007

خلف الزجاج


ماذا يسمى ذاك الشيء الذي يجعلني أنسى كل شيء، و أستسلم لحضنه متمتمة "لا مفر منك إلا إليك" و أن الجنة ها هنا و أشير إليه؟؟ ذاك الشيء هو ما استبد بي، عصف بي، طوقني حتى لم أعد أقوى على التفكير في أي شيء آخر، أكانت عودتي استسلام أم خضوع أم دعوة لتقرير المصير كما تصورت؟
أترك الأسئلة جانبا، وأركن إلى زاوية غرفة النوم، لأحضن قطة خالد متناسية اسمها، و أحذق عبر زجاج النافذة، وأغيب في خطى العابرين لشارع، بعضهم يمر مسرعا و البعض الأخر يجر رجليه بصعوبة، منهم من يفرك يديه لتسخن و منهم من يدسها في جيبه أو تحت إبط مرافقته، لكن لا أحد منهم لاحظ أنني خلف الزجاج أتابع تصاعد أنفاسهم في هذه الليلة الباردة. رجل يحمل كيسا بلاستيكيا أسود، دخل إلى العمارة المقابلة؛ ما إن صعد إلى الطابق الثالث و دس المفتاح في قفل باب الشقة المقابلة؛ حتى هرع إليه طفلان رأيته عبر نافذة السلالم ينحني ليقبّلهما و يريهما ما في الكيس قبل أن يغلق الباب. أربعة شباب يترنحون في عرض الشارع و يقهقهون بالبذاءات؛ ربما تناولوا عشائهم في الحانة المجاورة! بعد ساعة أو أزيد؛ لم يعد يمر أحد ، سوى ميمون حارس الإقامة، الذي لم يمنعه البرد من التجوال، والانحناء لتفتيش أسفل السيارات و التأكد من أنها مغلقة، و التحديق إلى نوافذ الشقق، كم أكره فضوله، لن أنسى أبدا يوم عقد لي تحقيقا مفتوحا في أول زيارتي لخالد؛" هل تسكنين في هذه الإقامة؟ أم أنك تزورين أحد؟ مَن..؟..." لخصت له الإجابات في كلمة واحدة:” شغلك!"، من يومها لم يكف عن جلدي بنظراته البغيضة. بعدها بقليل تقف سيارة بيضاء، تنزل منها امرأة تتابع السير نحو مدخل العمارة دون أن تلتفت إلى مَن بالسيارة، وتعدل شالها الأسود الذي تلقي به على كتفيها فوق قطعة حمراء تنحصر عند منتصف فخديها مع جورب نيلوني أسود، و حذاء بخرز يلمع، و تمسك بيدها اليسرى حقيبة قد لا تتسع لأكثر من مفتاح و مرآة صغيرة و مرطب الشفاه و قلم حواجب مكسور! أما هاتفها فربما تدسه في حمالتها؛" تصوري أيتها القطة لو علم المتصل مكان الهاتف! أية رنة في نظركِ ستوافق هاتفا في تلك الوضعية؟!" ضحكت لوحدي و كأن القطة لم تستسغ كلامي. تابعت تشرِّيح شكل المرأة، و نسج حكاية لها بمقاس خصرها و نهديها اللذان لم يحجب الشال استدارتهما عكس الجورب الأسود الذي حجب عروق ساقيها المنتفخة .." ماهذا الهبل العرضي الذي اعتراني، أفكر في شؤون الغيري و أنسى نفسي .." نفضت رأسي و عدّلت كتفي و في جدية مبالغ فيها رفعت رأس القطة إليَّ و قلت:" هذه الليلة سأحدد مصيري مع خالد، إما أن يحدد تاريخا للعرس و إما..." أرعبتني لفظة المصير بما يكفي فلم أشاء أن أفكر في ما بعدها، القطة المسكينة بحلقت فيَّ و حركة أذنيها و كأنها موافقة على ما قلت!. لا أدري كم مر عليَّ من الوقت و أنا شاردة في الزجاج ، حتى ملت القطة من وضعيتها بين يدي، و تعبت من تحريك ذيلها و لعق فروها، أزحت يدي من عليها فقفزت هاربة، ربما بدوت لها متهدلة في بيجامة خالد الواسعة! تركت الغرفة بدوري فقد نذر المارة و خالد تأخر. قصدت المطبخ لأعد شيء، الثلاجة شبه فارغة! ليتني تذكرت قبل قدومي أنه يكره التسوق لأحضر شيء معي، اكتفيت بموزتان كانتا ترتعدان لوحدهما بالثلاجة المهجورة ، و صببت شيء من الحليب للقطة. عدت لغرفة النوم أشعلت التلفاز و شاهدت برنامجا حواريا ببال مشوش و عين متعبتين فالساعة تجاوزت منتصف الليل بكثير.. قبل أن أعي تماما موضوع الحلقة سمعت الباب يُفتح، اتجهت إليه ابتسم و هو يغلق الباب، ترك المفاتيح تنزلق من يديه، و فتح ذراعيه كم يريد أن يحلق، غبنا في لحظة التحام لم يقطعها سوى قولي:”تعبت من الانتظار أريد أن نحدد..." قاطعني قائلا:” فلنترك الكلام عن التحديد إلى الغد فأنا متعب، دعينا هذه الليلة بلا حدود، لأن الحدود ستعيق طاقتنا الإبداعية..." كانت لليلة ناعمة، تركنا كل شيء خارجها، حين فتحت عيني في الصباح وجدته قد غادر باكرا، و ترك بطاقة إتمانه و ورقة كتب فيها:” رجاءا اشتري خضارا و سمكا طريا كشفتيك.. سأعود هذا المساء باكرا" وضعت المفتاح على الورقة ثم غادرت. ماذا يسمى ذالك الشيء الذي يجعلني أنسى كل شيء و ألم أغراضي لأنني مللت من الانتظار خلف الزجاج، و تتبع سُحَنِ المارة، و نظرات ميمون الحاقدة ؟؟ ـ انتهت ـ




12.14.2007

السلم العاشر


فتحت الظرف ببطء كي لا يتمزق خاتم وزارة التعليم العالي و تكوين الأطر، لأنني من هواة جمع خواتم الدولة المغربية الشريفة، و عن سابق خبرة توقعت أنهم يعيدون لي أوراقي الخاصة (شهادة الميلاد و أربعة صور شمسية و نسخة مصادق عليها من شهادة الليسانس و بطاقة التلقيح ضد الجُذري و شهادة شاملة للخلو من الأمراض المنقولة ...) لعدم توفر وظيفة شاغرة، لكن الظرف لا يحتوي سوى على ورقة واحدة كتب فيها بخط مرقون: " السلام بوجود مولانا الإمام أدام الله له العز و التمكين، و سدد خطاه و حفظه بما حفظ به الذكر الحكيم، و أقر عينه بسمو الأمير ولي العهد و صاحبة السمو الأميرة و كافة العائلة الملكية الشريفة. أما بعد: فإن وزارة التعليم العالي و تكوين الأطر تستدعيكم شخصيا لمقر الوزارة في القريب العاجل." انتهت الرسالة دون أن أفهم لما يستدعونني! ربما وجدوا لي وظيفة!! لكن لماذا لم تشر الرسالة إلى ذالك؟! ربما أردوا أن يجعلوها مفاجأة.!! يا الله ما أكثر إنسانيتهم! لقد كانت أمي على حق حين كانت توصيني أن لا أسب الحكومة لأنها حتى و إن سرقتنا فلن تترك أحد يسرقنا. و أن لا أتذمر من الأوضاع لأنها بعض من ما صنع الوضيع. لقد عملت بنصائح أمي، و لزمت الصمت و دعوت ربي تضرعا و خفية ليلهمني الصبر و السلوان، و سرت بمحاذاة الحائط ؛ إلى أن جاء الفرج أخيرا، أيحتمل أنهم راقبوني مدة كافية ليثبت لهم مدى استقامتي و نزاهتي؛ لذالك عرضوا عليَّ هذه الوظيفة دونٍ عن جحافل العاطلين الذين تهدر كرامتهم أمام البرلمان، الحمد لله أنني لست منهم و أنني سأوظف أخيرا ، سأصبح من القوى العاملة سأستيقظ باكرا لأرافق المتثائبين في الحافلات و السراديب المتحركة، سأصبح إنسانة منتجة، و ككل الكادحين سأنتظر آخر الشهر لأستلم حصتي من الدخل القومي للبلاد. كم سيكون راتبي؟ مؤهلي الجامعي سيمنحني رتبة السلم العاشر أو أزيد، لكن لا يهم حتى و إن اعتمدوا في تعيني على رتب المصعد بدل السلم، كل ما يهمني هو أن أشتغل حتى و إن دفعوا لي بالتقسيط. ماذا سأصنع براتبي؟ سأغير كل ملابسي البالية التي تذكرني بأيام البطالة، سأجري عملية لشد جبهتي التي عمق فيها القلق الدائم الأخاديد و الخنادق، سأعالج انتفاخ و تورم عيني من الأرق و ملئ استمارات التوظيف، بهذه التحسينات سيليق شكلي بموظفة بالسلم العاشر، سأشتري سيارة و شقة .. لكن متى سأتزوج؟؟ ليست بمشكلة بتاتا لأنه بعد توظيفي سيتلهف الكل لزواج من موظفة بالسلم العاشر، سيصطف الخُطّّاب أمام بيتنا طوابيرا طوابيرا، سأنتقي منهم و أملي عليهم شروطي، و لن أتزوج إلا الشخص الوسيم، المثقف، الهادئ، و الرومانسي... ثم سألد طفلا ذكي كأمه، و سأدخله لأحسن مدارس العالم ، و سأوفر له ما لم يتوفر لي، لن أجعله يمر بما مررت به. أمضيت سحابة اليوم و جزء من الليل أضرب أخماس في أسداس و أسباع في أثمان و أخطط لحياة ما بعد الراتب الأول. استيقظت باكرا و ارتديت أفضل ما لدي، ثم قصدت الوزارة لأستلم مكتبي الجديد حيث سأمارس مهامي الوظيفية، وصلت قبل الموظفين، لا بأس انتظرت خمس سنوات و لن يضرني انتظار ساعة أو ساعتين، ستكونان آخر ساعات انتظار في حياتي. تنقلت من مكتب إلى مكتب، جوالة تفقدية ستفيدني في التعرف على مقر عملي، وصلت إلى مكتب الموارد البشرية قيل لي أنه المعني بالرسالة، صافحت الموظف الذي سيكون زميلي عما قريب ثم سلمته الرسالة، قرأها ثم قال :« هل أنت فلانة الفلاني؟" أجبت:« نعم" "هل تخرجت من معهد علوم التربية قبل خمس سنوات؟" أجبت:« نعم» قال:« لقد استدعيناك لأنكِ لم تدفعي ثلاثة أقساط خلال دراستك، الدولة مدينة لكي برسوم ثلاثة اشهر.". "نــــــــــــــــــــعم؟!!» قلتها و كأن تيارا كهربائيا قد صعقني. ثم أضاف الموظف:« لديك مهلة اثنا عشر يوما للدفع و إلا..» دون أن أنتظر إتمام جملته حدقت فيه قائلة:« لن ادفع شيء يكفيني ما دفعت إلى الآن، سأعيد لكم شهادتكم، أشعلوا بها سجائركم، أو لفوا فيها شطائركم، أو استعملوها بدل ورق مرحاضكم..." ـ انتهت ـ


12.07.2007

وصية مجنون



حاصر أفكارك كي لا تفر، حاصر أحلامك كي لا تتسرب، حاصر شرودك كي لا يظل، حاصر ابتسامتك كي لا تدان، حاصر خططك البوهيمية ليلا كي لا تبلغ مسمع الجيران، حاصر كلمات الحب المهربة في دمك والمراقة على شفتيك دون استئذان. حاصرها و ارفض أن يحاصرها غيرك، ارفض أن يكون معصمك بحجم القيد، ارفض أن تكون حقيبة يسهل تفتيشها.
ثم نظف رأسك من شظايا الوعظ، و تصالح مع نزواتك المغضوب عليها، ابعثها من الرقاد و آخي بينها، و ابعث بتحية دافئة إليكما. و كعاشق لظلام امنح إجازة مفتوحة لشمس و القمر و أبقي على نجمتين، و اقتفي أثر الأيدي التي توددت إليك، و عُد ألوان العيون التي صدقت بأنها تحبك، لا بأس يمكنك الآن أن تضحك على غبائك، و تتسلى بالبحث في أي حدث عن حدث يجعل الحدث حدثا. و كل جنون و أنت بألف خير