" أكتب كي أبعث الحياة في الناس و في الطبيعة و في الأشياء" محمد خير الدين

11.27.2007

وهم صادق و صدق واهم


هل صدقت بأني قد أصبحت كاتبة، هل صدقت قائلها ؟! ربما و إلا ما الذي يجعلني أتردد على ذات المقهى! وأفرغ أغلب محتويات حقيبتي ؛ لكي تتسع لدفتر توهمت أنه سيكون مخطوطا قابل لنشر بعد أشهر أو سنوات، لقد أضعت أسابيع دون أن أكتب شيء بستثناء عنوان من مبتدأ و خبر يتيمين بوسط الصفحة الأولى. داومت على الجلوس على نفس الطاولة لساعات و ساعات، لعل الإلهام يهتدي إلى مكاني! اختلفت عليّ الفناجين و الكؤوس دون أن أكتب شيء ! و لو حتى مجرد كلمات لمعنا هلامي مشوه، قد يزحف نحو صفحاتي الموالية. فلأنسى الأمر إذا، و لأبحث عن مهنة أخرى. أشرت إلى النادل، الذي تقدم نحوي بجسد نحيف و رأس أشيب و أنف طويل ترزح نظارات طبية عند حافته، بعد أن صنعتا تقعرا تتموضع فيه بسلام؛ و صارتا و كأنهما جزء من ذالك الوجه. أشرت إليه ليبعد عني فنجان القهوة البارد؛ و يأتيني بكأس "اللويزة". نظر إلى الفنجان الممتلاء و إلى قطع السكر الثلاث التي جعلتُ منها هرما على جانب الطاولة ، فحمل الفنجان و ترك لي هرم السكر. لعنت رب هذا المقهى في سري لأنه لم يجد سوى هذا النادل الذي يزحف إليه الموت حتيثا، ربما هو سبب النحس و القحط الفكري الذي أصابني! لما لم يوظف نادل يفتح الشهية! نظرت إلى الساعة و إلى هاتفي المقفل، لزال الوقت مبكرا على الرحيل، فلأسحق ساعة أخرى على هذه الطاولة صحبة قطع سكر التي أديرها و أضع بعضها على بعض عليّ أصل إلى أكبر عدد من الأشكال الممكنة. انحنى النادل ليضع الكأس الذي يتدل منه خيط كيس اللويزة ، كانت رابطة عنقه الوطواطية مائلة عدلتها له بيدي، بحلق فيَّ و جحظت عيناه و لم يصدهما عن الخروج من محجريهما سوى زجاج النظارات، تنحنح، فكشرت له عن أسناني فيما يشبه ابتسامة و قلت:” لقد كانت مائلة"، “حالك أشد ميلانا منها" هل قالها أم تخيلت ذالك!؟ أضفت قطعتي سكر للكأس و أخدت القطعة الباقية لأضيفها لشكل الهندسي، الذي ازداد ارتباك. أنعشني الشراب الساخن ، فشغلت الهاتف؛ لكن ما هذا الكون البغيض المكروه لا رسالة و لا اتصال!؟ و انتقاما اعدت اغلاقه. راقبت قليلا التلفاز بأعلى السقف كان يذايع نشرة الأخبار من "أورونيوز" بصوت يغلب عليه ضجيج رواد المقهى، لا أحد منهم يحفل لما تقول النشرة. إلتفت إلى يميني، حيث ينكفئ رجل فاق السبعين على الطاولة، لا يرفع عينيه من عليها و كأنه يقرأ شيء غير مرئي في خشبها البني، بدلته الرمادية موديل الخمسينات مكوية بعناية! تقوص ظهره يوحي بأنه اعتاد تلك الوضعية منذ زمان لعله كان موظفا حكوميا، شروده يعطي إنطباعا بأنه ليس هنا، كلما رفع راسه ليشرب قهوته السوداء، أرى تدفقها عبر حلقه و سريانها عبر تقلصات رقبته المترهلة. في أقصى الزاوية إلى الأمام يجلس رجل في الثلاثين أو أقل مع فتاة قد تكون قد أنهت امتحانات الباكلوريا قبل أيام، و ستجري مقابلة التجنيد بعد أشهر أو ستعمل في الطيران، لا ادري ما الذي أوحى إليَّ بذالك! الرجل يعبث بيدها فتسحبها من على الطاولة دون أن تكف عن الضحك بصوت عال، و في استفزاز واضح تعيدها بعد برهة فيعيد الكرة فتعيد هي الأخر سحبها، مللت من عد المرات التي وضعت و سحبت فيها تلك اليد التي تلمع فيها الساعة فضية، و فجأة غيَّر الرجل مقعده من أمامها ليجلس بمحاذاتها، فلم أعد أرى ما يجري على الطاولة فكتفيهما الملتصقين حجبا عني الرؤية، ربما لم يلاحظ أحد غيري تقبيله لعنقها! شيء فشيء صار منظرهما اكثر تورطا فتحاشية النظر نحوهما، و انشغلت بالعبث بقطع السكر أمامي، و الأنصات لبعض الكلمات المتفرقة التي أسمعها بصعوبة من حوار بين فتاتين جلستا لتو خلفي، تخيلتني جاسوسة صغيرة( او برﮔاﮔة على حد قول أحدهم) فاستخدمت مرآتي لأراهما، كانت إحداهما تشرب القهوى و تدخن في عصبية، لمحت فقط الجزاء السفلي من وجهها، و حركات شفتيها التي أزال عنهما عقب السيجارة أحمر الشفاه و برز لونهما الغامق، أما الأخرى فلم أرى منها سوى شعرها الذي لم يتجاوز حلمة أذنها، على طاولتهما كان يرزح كأس العصير و فنجان و علبة السجائر و بالكرسي المقابل و ضعتا حقيبتا يديهما، لا أدري أيتهما اسمها منال لكني سمعت الإسم يتدالول على طاولتهما، شيء من نيكوتين جارتي يصل إلى أنفي، و صوتهما يصل قبله أو بعده
"هذا جنون؟"
....
و هل هناك شيء أخر في هذا الكون يغري بالحياة غير الجنون
....
هذا انتحار، ماالذي يجبرك!
" و هل وجدت غيره فرفضته "
لا داعي لتكذبي عليَّ، أنت تحبين جواز سفره الدولي
هو على الأقل لن يفرض علي اقامة اجبارية، سنظل معا طالما نحب و نحترم اختلافنا ، ثم إن الحياة أسهل رفقته ، سنقضي شهر العسل في الهند، و سنسكن بعدها فلورنسا و قد ننتقل فيما بعد إلى بلنزونة، آتتوقعين مني أن أنتظر عاطل محبط بحجة أنه في سني و إبن بلدي لنعيش على حطام الأحلام،
!لكنه شارف الخمسين سنة أو يزيد، و ابنته ستتخرج قريبا!
mais il sait me jouir
...سمعت صوت عود كبريت، ازدادت قوة التبغ في أنفي، و ازداد توثر نافثته
و ماذا عن معتقداته!! لما لا يفهم أحد أن الحب لا سن له و لا دين له و لا وطن له و لا لغة له و لا عقل له. بدأت أسعل لم تحتمل رئتي مزيدا من الدخان، فأنهيت كأس اللويزة برشفة واحدة
و اعدت فتح دفتري و شطبت العنوان و كتبت :” شهيوات شميشة" ثم غادرت المقهى. انتهت ـ-

11.26.2007

قناص تارجيست

11.15.2007

هذيان للنسيان


تمتد الصحراء أمامي و ظل أغصان شجرة عارية يستقر على أجزاء من جسدي المستلقي، لم أستطع رفع عيني من شدة الحر إلى السماء ، العطش أقحل لساني، و الألم اخترق بطني بلا هوادة، أردت فقط أن أتكور و أضم يدي على بطني بقوة، و صل لهيثي و أنيني أقصى مداه، لم أقوى على تغير وضعيتي؛ ما الذي أتى بي إلى هنا؟ أغفو
أفتح عيني بتثاقل بالكاد أرى عبر رموشي، المكان بارد جدا و جسدي يرتعد ..أنطق بهمهمات مبهمة، أحاول رفع راسي لكنه أثقل من الجبل، أحاول رفع ذراعي فيزداد الألم، بصعوبة أبصر أنبوبا موصول بإبرة مغروسة في يدي، ما الذي أتى بي إلى هنا؟ أغفو
أسمع أصوات و وقع أقدام و شيء يُجر، أسمع أحدهم يقول غطوها و راقبوا نبضها..يغيب الصوت، أنتظر دفئا لا يصل أبدا. أغفو
البرد على حاله و رأسي يطن و كأنه محرك لدرّاجة نارية، دقات قلبي تخترق أذني، اسمع صوتا نسائيا يقول بإشفاق مبالغ فيه" مسكينة! لقد استأصلوا ثديها «هل تعنيني؟ هل صرت أحادية الثدي؟ أتحسس صدري، دون حاجة حتى لفتح عيني فأنا أعرف مكانه، حين وضعت يدي على صدري و جدته كما عهدته، لكن صوتا مزعجا أشبه بصوت إنذار تعقب حركتي فأسرعت الخطى نحوي ، يد دافئة لدنة تمسك بيدي و تزيحها، ليتها بقيت ممسك بي و أخبرتني ما الذي أتى إلى هنا؟ أغفو
على رمل عائم ، كنا نسير،الشط كان شبه خالي ، ربما لم يجرأ أحد مثلنا ليقصده في هذا الصباح البارد،كانت يده ملتفة حول كتفي، كان صامتا؛ مطرق الرأس تارة و هائما في حركات الموج تارة أخرى، في محاولة لنفاذ إلى ما وراء صمته، قربت شفتي نحو أذنه هامسة:« فيما تفكر ؟"أحسست بيده تقربني منه أكثر و تضغط على كتفي و دون أن ينظر إلي قال:" لو لم تكوني معي ماذا كنت سأفعل بأيامي!». أخذت نفسا طويلا و زدت التصاقا به أحسست بدفء لذيذ ينبعث من صدره.. أغفو
أرفع عيني إلى الحائط المقابل، الساعة تشير إلى الثانية و النصف، ، مصباحان مستطيلان بالسقف، و زجاج يفصلني عن مكتب فارغ، أمامي تتراص الأسرة و جثة مستلقية مثلي فوق أحدها، أنتبه إلى رأسي المعصب بالضمادات، أعيد بصري نحو الساعة. عقربيها لم يبرحا مكانهما الأول،أحاول تذكر لما أنا هنا! تصطك عظامي من البرد. أغفو
أحس بأيد تنتشلني و تضعني في سرير متحرك، أسمع من يقول "لقد طالت غيبوبتها لم يزول منها التخدير بعد.» ينط جسدي كلما تجاوزوا بي عتبة ، أسمع هدير أصوت لا أعي منهاشيء،دفئ غامر يجتاح أوصالي تدريجيا، أشم رائحة وسادتي.. أغفو
يد تتمسح بي ، و تكلم غيري:"متى أصعدوها من غرفة العمليات؟" أردت أن أتكلم لكن لساني لا ينطق، و جسدي يتصبب عرقا، و رأسي يخترقه شيء بغيظ كالفولاذ، و عضلات بطني شبه ممزقة و كأن شيء ثقيل جثم عليَّ، أعرف أن الوجوه تحدق بي؛ تناسيتها، لكن متى تذكرت لأنسى!أغفو
فتحت عيني، ميزت وجه أمي المجهد، و يد تمايورت و هي تمسح شيء ساخن مالحا انساب من عيني. وحدهما من يعرف لما كنت هناك! أغفو