" أكتب كي أبعث الحياة في الناس و في الطبيعة و في الأشياء" محمد خير الدين

6.30.2007

رسائل بلا عنوان


اللقاء الرابع

الرسالة الثامنة:"
على ضفاف ذاكرتي شيء ما يتبرعم من جديد؛ شيء ما يسحبني للغرق في ذكراكِ، لتوغل أكثر فأكثر فيها؛ لعلي أحس بارتعاش يديك بين راحتاي.
كلما استعصى عليَّ تعقب أنفاسكِ الهادئة التي تقسم ليلي نصفين؛ اجعل الخيال جسرا على طول المسافة الرابطة بين النسيان و التذكر؛ حينها فقط يستحيل الجزم بحدود الحقيقة و الوهم، فأصدح كالمعتوه: قل هو الحب.. الحب السرمد.. لم يمت و لم يخبو.. و لا تأبه لما بعده.
آآآه لم تبقي مجرد امرأة غامضة هادرة عصيَّة؛ قد اشتهيها و قد أتساءل سرا كم نظرة إليها تكفي لأفك أول أزراري، بل صرت شيء أخر غير ذالك. كنت على حق في قولك يوما؛ "بأن أروع الأحاسيس هي التي تستعصي على التصنيف، و أننا نشوه حقيقتها حين نريد تعريفها و محاصرتها بألفاظنا القاصرة"، فلتعلمي أيتها محقة دوما، بأنني أول المؤمنين بأقوالك..
أجر ثنايا أفكاري المترهلة الآن و أعقدها بذيل جملي البائدة لأقول بأنك ستظلين شرارة ملتهبة في قلبي و إن حجبكِ الغياب، و أنني رماد على دفئه لا يُنافق في انطفائه الحتمي و القريب. وأن حضنك هو كل ما أتمناه."
ع.السملالي

الرسالة التاسعة:"
سأكتب قصة حبي للأطفال فوحدهم من قد يصدقونها، و لن يقاضوني أو يسخروا من ما في دمي من كريات شوق حارق إليكِ.
سأنتقي مفردات العشق من قواميس كل اللغات التي أعرف و تلك التي لا أعرف حتى تهجيتها؛ و أنبتها أعشاب برية على صدري، حتى إذا ما أصابكِ عسر في الهضم أو إمساكٌ طارئ، عدتي لتقطفي شيء منها ستجدين بها مرارة الجبل و عذوبته في الآن ذاته و لن تصدقي أبدا أنها نبتت على صدري، إن عدتي فلا تنسي أن تنسي وصايا أمكِ، و تهديدات أبيكِ، و جدالك الكئيب، و أحقادكِ القديمة، و كل العيون التي أساءت النظر إليكِ، و مقارنتي بكل الذين تخلوا عنك يوما أو خدشوا مشاعرك عمدا... فما فرقنا سوى تلك التفاهات.
تعالي لتشربي كأس من الحلم معي بثلاث قطع من الثلج لتبرد لسعته في الجوف، و ضعي رأسك على كتفي و أسدل جفنيك في استسلام، و غني معي تحت القمر أو فوقه، فذالك كل ما أحتاجه لأكون أسعد الرجال. عودي لتتضَمْدَ نذوب الوحدة في أيامي.."
ع.السملالي
----
يتبع

6.21.2007

رسائل بلا عنوان




اللقاء الثالث

الرسالة الرابعة:
"آخر بقايا صوتكِ الناعم يدغدغ أدني الداخلية.. أحاول تذكر كيف رقصنا أخر مرة.. أحاول تذكر رذاذ عطركِ حينها، أحاول تذكر ملمس يديكِ المتشابكتين حول عنقي، أحاول و أحاول لكن عِقد الزمان الذي يفصلني عن تلك اللحظة؛ يقف حائلا بيني و وبينكِ كمارد خرج من إبريق "البورسُلين" الصيني الذي أهديتني.
لماذا رحلنا في وجهتين متقابلتين؟ أكان لا بد من ذالك! آلا يرحل العالم هو الأخر مقتفيا أثرنا؟ هلا أخبرتني أيتها العنيدة ماذا يقع حين لا يقع شيء؟
أحببت حضور حصص اليوغا معكِ. أحببت دوما استعمالكِ لقُمصاني، و لأقلامي و لأوردتي و سائر بقاع جسدي؛ الذي ترن كل هواتفه دفعة واحدة حين تكونين بجانبي.
أعرف أنكِ الآن لن تزعجي نفسكِ بتذكري و أنت تحتضنين زوجكِ الأصلع، و قد لن يذخر لسانكِ جهدا في تلميع صلعته.
في غرفتي هذه من الطابق السابع و النصف من الجهة الغربية للمدينة، أتذكركِ دون أمنية محددة، قد يكفيني أن أكون جُرما مضيء في السماء وعبر نافذتكِ ترفعين بصركِ ليلاً إليه إذا ما أزعجكِ شخير الأصلع.
أعرف أنني أصنع من التُرهات درعا واقيا أمام غيابكِ الذي فَحَّمَ المدى، و بعثر الأيام؛ فما جدوى يوما بل عمق جذري، و غدا لا يلونه أي وعد باللقاء؟
أشك أن رجلا أحبكِ مثل ما فعلت.."
ع.السملالي

الرسالة الخامسة:
" ما الذي يضر إن أنا أضفت"تخربيقة" صغيرة للعالم "المُخربق"؟
سأكتب أوهاما معلبة مع مواد حافظة لتطول صلاحية استهلاكها إلى الأبد، علكِ تتصفحينها إذا ما فتحتِ قراءة ابنتكِ لتراجعي معها درس الغد، هل أسميتها "رفِيف"؟ هل تجرأت على ذالك! ليس من حق الأصلع أن يأخذ كُلَّ أحلامي، فلا هو طرز بخنصره مثلي ظهركِ؛ أزهارا و نجوما و خطوطا مبهمة، و لا عدَّ حلقات عمودكِ الفقري؛ دون أن يوقظَكِ..
آه كم مر من العمر!! ماذا تراه يستعجل بعد هذا الزمان الزاحف؟
تعادل البياض و السواد في رأسي، و لم أستطع أن أعادل بين حضوركِ و غيابكِ، لم تعد لي ذاكرة لحظية، ضاعت في محاولة اعتقال رفاة الماضي، و كل العوالمِ المهشمة حقِقيُّها و مُتخَيلُها، كلها بليت من كثرة تقليبي لها بيدين تقطر عرقا؛ شظيتها عشرين ألف جزء ذري؛ عل شيء من حرارة الأمس تصيبني.
تذكركِ مرير في الحلق!"
ع.السملالي

الرسالة السادسة:"
" أنا لست سوى أنا؛ فما فائدة باقي الضمائر المتكلمة و المخاطبة غائبها و حاضرها؟ أليس هذا إسرافا لغويا و هدر مجاني للأحرف!!
هل فعلا أنا هو أنا؟
ألست سوى نحث أدمي موشوم برموز الآخرين، برائحة عرقهم النتنة، بأصواتهم المنفلتة من حناجر الامعقول و بتعود لغوها صارت معقول ؟
أنا لست أنا، أنا خزّان ذكريات صدئ، يحوي الأساطير و الطلاسم والأفكار المجردة، وعاء تعاقبت عليه الفصول، و مجازا أعتبره جسدا له حياة خاصة، ولا يعرف غيري طعم تلك التفاعلات المتأوهة الحبيسة بداخله."
ع.السملالي

الرسالة السابعة:"
ألا يكفي برب من تؤمن به أنني أنت، لما تنبش في الحروف تُسَائِلُهَا من تكون!
أنتَ أنت من حيث أنت، أنتَ جزء حين تعتقد أنكَ كل، و أنت العكس الذي يصح و إن عُكس. كل دال يستلزم مدلولا، فلما تقاوم تبذير اللغة؟
هل كان هناك من داعي لتقترف ذنب التفكير! بما تَفضُلُ عن أبيك الذي قضى عمره في دكانه بين أكياس الدقيق دون أن يُشغل باله بالتفكير أبعد من ذالك، بالكاد يتهجى أسماء المنتجات التي يبيع؛ يوم نجح في قرأت الفوط الصحية اعتقد أنها منادل طبية معقمة.
أما أمكَ فعاشت في هذه مدينة نصف عمرها و لا تعرف منها سوى طريق الحمَّام و الجوطية، أمك التي لا تستطيع أن ترفع بصرها إلي أي رجل و إن كان عجوزا أُقبِرَت نزواته منذ الأزل؛ و نسي عمدا كيف يُصَرّفُ فعل الاشتهاء؛ تظل مطرقة رأسها و عينيها إلى الأرض حتى تحسب أن هناك كائنات أخرى بباطن الأرض لا تُرى مجردة سوى بعين أمك.
بالله عليك لما لا تتكور بجهلكَ فلن ينفعكَ ما لا يضركَ. مهما تحذلقت فلن تتنصل من تأثير الموتى فيك "
ع.السملالي

----
يتبع



6.15.2007

رسائل بلا عنوان




اللقاء الثاني

انتشلني صوت عاملة النظافة من ذالك الصمت الهادر؛ باللحظات القليلة التي رأيت فيها عبد الله السملالي؛ وهي تقول:" مساء الخير، لقد نظفت الغرفة جيم، هل أُنزل الأغراض التي بها إلى المستودع؟"
فكرت قليلا فأجبتها:" ضعيها هنا لتسلم مع شهادة الوفاة لعائلته في الصباح."
وضعتْ حقيبة سفر ممتلئة بملابس أو ما شابه بزاوية المكتب، و فوقها رصت كومة جرائد، و غادرتْ.
قصدت الجرائد لعلي أعثر فيها على ما قد يُسلي ليلتي الكئيبة؛ و أنا أفتش بينها، و جدت مذكرة بنية، فكرت قليلا قبل أن أفتحها فيما إذا كان يجدر بي فعل ذالك، لكن فضولي حسم الأمر؛ فتحتها وجدت بها مغلف يحمل صُور؛ لرجال و نساء و أطفال يتوسطهم عبد الله السملالي في الغالب، في إحداها تظهر خلفية تمويهية لإحدى القصور الأندلسية؛ و هو واقف يحمل سيفا و بجانبه امرأة بلباس الجواري و لولا شعرها الأشقر لاختلفت في جنسيتها، في صورة أخرى يجلس إلى طاولة الطعام يفرك حبة الرمان، و في أخرى يدخن سيجارته و يرشف كأس الشاي الباهت اللون..
أمضيت زهاء ساعة أقلب الصور و أعيدها، أقارن شكله؛ و أستغرب لسخرية تلك الابتسامة التي تقفز من الصور التي دُّونَ على ظهر بعضها تاريخ و مكان التقاطها.
قلبتُ صفحات المذكرة فقرأت نصوص شبيهة برسائل مرقمة، لعله كان سيبعثها لأصحابها، أو أنه رحمة الله عليه كان مصاب بلوثة الكتابة فيكتب دون أن يفترض أي قارئ غيره؛ فيكتب رسائل منه إليه؛ بعد أن ملل من صندوق رسائله الفارغ دوما، أعرف ذالك الإحساس جيدا، و لعله لم يبلغ به الجنون ما بلغ بي و لم يكتب اسمه بخط كبيرا مضغوط على صندوق رسائله بدهليز العمارة تحسبا لأن يكون ساعي البريد من ضُعاف البصر، و ربما لم يسافر إلى المدن الأخرى و قبل أن يعود يرسل رسالة مطولة إلى عنوان بيته عبر البريد البطيء؛ و حين تصل الرسالة بعد أسابيع يكون قد نسيها تماما فيفرح حين يدق البواب بابه و في يده الرسالة و يتكرم عليه ببقشيش أكثر مما كان يعطيه عادة. سواء بعث عبد الله السملالي لنفسه أو لغيره في الحالتين أفهمه جيدا، و أحس بزفرة رغبة الصريحة بين أوراقه. و من يدري لعلي بنشرها هنا قد تصل لأصحابها!
لا أعرف إذا ما خاب ظنكم الآن في تزارت، بعد أن عرفتم بأنها تطاولت و انتهكت حرمة أجندة ميت لم توارى بعد جثته التراب، فمن خاف منكم على نفسه مشاركتها الإثم فليتوقف عند هذا السطر، و من لا يأبه بذالك فليواصل قراءة أول جزاء من تلك الرسائل

الرسالة الأولى:
" إلى التي يُّضِّلُنِي ظلها، فأزداد اقتربا منها كلما ابتعدت عنها،
في متاهة تشردي لم يبقى لي في حقيبتي سوى عنوانكِ الذي انحل حبر خطه، أذكر يوم خطته على عجل و قلت مودعة:" خذه لكي لا تتوه" لقد صدقت التنبؤ؛ تُهتُ و أمعنتُ في التيه، تشردت بين بلاد أسكنها و لا تسكنني و بلاد تسكنني و لا أسكنها، كل تلك الأجساد، كل تلك الجبال، كل تلك الأنهار؛ التي اِعتليتها يوما اعتلتني إلى الأبد.
فهل ستسمحين لكهلٍ متسكع يعصر اللحظات ليعيش رمقها الأخير؛ بأن تدني رسائله منكِ أكثر لتصل رائحة عرقكِ حروفه الضالة، فيكف عن التيه و يهتدي لشيء الناقص في حياته. "
ع.السملالي


الرسالة الثانية:
"اشتقتُ إلى حكاياتنا، إلى نكتنا الغارقة في البذاءة، إلى وقع خطواتنا على بلاط أزقة الشمس. اشتقت لأن توقظيني كل صباح و أنت ترتبين شعري الذي نفشتِِها ليلا.
بنيت كل حياتي مفتوح العينين على الأحلام فكنت أروعها، و بين حلمٍ و آخر يقفز
وجهكِ ليحاصرني قوسا حاجبيكِ من كل جانب.
أيتها الفراشة المبادرة في الاقتراب و الابتعاد؛ سأستمر في الكتابة إليكِ لأنني كالصوفي إن كتم وهج حال المقامات المتفجر بداخله مات محتقنا بإشراقاته.
سأكتب إليكِ لأقاوم الفناء الذي يطوق سراب صوركِ على جدران الذاكرة. سأصارع النسيان لأنه موت سريري.
أمام حزام ذكرياتكِ الناسف ليس لي سوى أن؛ أفجِّره على ورقة بيضاء أو على طاولة خضراء؛ في الأولى سيقال كاتب هاوي و أمه الهاوية، و أبوه مجهول الهوية، و في الثانية سيقال مفلس أخرق؛ يقامر بحفنة ذكريات يابسة لا تصلح سوى ليضيفها لأعواد مدفئته في ليالي الشتاء الطويلة. "
ع.السملالي


الرسالة الثالثة
"الحاضر لحظة عابرة، قد يكون جزءا قياسيا من الماضي و قد يكون مجرد لحظة مرتقبة من مستقبلٍ لا أملك أية ضمانات بقدومه.
لست متيقنا سوى من هذه اللحظة، و بما أنها ستفنى بعد لحظة، وقد لا أملك غيرها فهي الأنسب لأسألك؛ لما افترقنا صامتين؟ لما لم تتفوهي بأية شتيمة محترمة أو عاهرة علموكِ إياها، أو تعلمتها خلسة، لما لم تلوحي بيديكِ مهددة ؟ لما لم ترفعي كتفيكِ ضجرة؟ من أين أتيتِ بكل ذاك التحضر!
حين غبتِ يومها؛ لا أذكر هل صعدت طاولة بيتي أم طاولة الحانة و صرخت في الكراسي الفارغة:" قفا نبكي العدم المطلق فقد رحل الوجود."
و إن غادرت حياتي كلها، فلن تفارقيني أبدا."
ع.السملالي

---

يتبع

6.06.2007

رسائل بلا عنوان



اللقاء الأول

بمجرد دخولي دهليز الجناح (4) من الطابق الثالث للمستشفى الأنكولوجيا؛ ( متخصص في الأورام السرطانية) بدأت في تلقف تحيات زملائي المهرولين في الممر، خيل لي من شدة إسراعهم أنهم هاربون من جحيم ما لن يعودوا إليه بعد اليوم.
دخلت غرفة الاستقبالات، وجدت "الماجورة"* خديجة تحزم أغراضها، بعد أن تبادلنا عبارات التحية باقتضاب، و قبل أن تحمل حقيبة يديها و تخرج قالت:" رجاءا إملائي استمارة وفاة عبد الله السملالي، فقد توفي لتوه و لم يتبقى لي وقت لملئها، و أوصي بأن تُجمع كل أغراضه من الغرفة، فقد أبلغتني الإدارة أنهم سيحملون جثمانه في الصباح الباكر نحو الأطلس الصغير. "
صعقت للخبر، و ذعرت أكثر للبرود الذي نقلته به دون أن يبدو عليها الأسف؛ لا أدري أأكوام شهادات الوفاة التي تختم منذ اشتغالها هنا هي ما جعل الموت حادثا روتينيا بالنسبة إليها؟
قالت و هي تجتاز باب المكتب بقليل:" الوداع يجب أن أسرع فلابد أن ابنتي قد تعبت من انتظاري بباب المدرسة"
من أرشيف المكتب أخرجت ملف عبد الله السملالي و أخذت نموذج شهادة الوفاة و بدأت أستنسخ المعلومات ذاتها التي كَتَبْتُها بيدي في أول يوم لدخوله للمستشفى قبل شهر تقريبا
ختمت التصريح، و بحزن أحسست بأنها آخر خدمة أقدمها له، آه كم كان سريع الرحيل
ساد المكان سكون شامل؛ بعد أن انقطعت الزيارات الليلية عن المرضى، في ذالك السكون لم أستطع أن أقاوم صورة عبد الله السملالي التي استبدت بمخيلتي؛ أجهدت ذاكرتي في تذكره علِي أرسم صورة تشبهه، و دون أن أدري وجدتني أعيد تركيب فتات ملامحه في الفراغ المحيط بي.
أخذت كأس نسكافي و كرسي و خرجت لشرفة المكتب، كانت الشمس قد غربت تماما، تذكرت المرات العديدة التي رأيته فيها يحمل كيس السيروم بيديه و يقف بجانب نافذة غرفته أو بسطح الجناح؛ خلال لحظات الغروب، حتى في الأيام التي كان يشتد عليه المرض؛ و يصبح في أقصى حالات الوهن خصوصا بعد جلسة الأشعة؛ و رغم أن جسده كان ينتفخ بأسره و يصبح مجرد تحريك أطرافه مجهودا جبارا، و رغم موجة السعال الحادة التي كانت تستبد به فتطبق على أنفاسه؛ إلا أن كل ذالك ما كان يثنيه و لو ليوم واحد أن لا يكون في موعده لوداع الشمس الراحلة، فينظر إليها بشغف ساخر، و كأنها هي الأخرى ولهانة به؛ فيتبادلان النظرات تلو النظرات يُضمِّنانِها رسائل مشفرة..
تذكرت صورته في الأسبوع الأخير بعد أن ازداد نحولا و شحوبا؛ صورة تصيب رأسي بصداع يكاد يفجرني، و بغصة تخرم حلقي، و بالحنق على كل شيء، لا أدري هل كنت لحظتها أكثر إيمانا أم أكثر إلحادا و أنا أساءل القدر عن موته!
جلست مسندة رجلي إلى شباك الشرفة. كل شيء كان صامتا من حولي، لا أسمع سوى أزيز عربة الأكل أثناء توزيع وجبة العشاء على المرضى، و الحديث و السعال و الأنين الصادر من الغرف المجاورة لمكتب الاستقبالات حيث أقبع؛ لكن لا شيء من ذالك استطاع أن يبعد صورته و صوته عني، تذكرت أول يوم رأيته فيه؛ كان يوم الاثنين يوم استقبل المرضى الجدد، و قف أمام مكتبي و قال:" آنستي هلا حجزت لي غرفة يرى منها القمر.."
رفعت بصري إليه فإذا به رجل نقر الشيب صدغي رأسه، يرتدي قميص بنفسجي فاتح يتدل على سرواله الأسود و يخفي عينيه بنظارات شمسية.
قلت:" هذا مستشفى وليس فندقا."
تقدم نحو الكرسي أمام مكتبي و جلس، و أخرج ورقة موعده و قال و هو يمدها إلي:" في حالتي لن تكون أكثر من مقبرة، فهلا وصفتي لي شكل الموت لديكم؟"
لم تكن بي رغبة في الثرثرة معه؛ فتجاهلت الرد، و تفحصت تاريخ موعده الموقع من رئيس القسم، و أخذت القلم لأملئ ورقة دخوله للمستشفى، و قلت:" أعطيني بطاقة هويتك الوطنية."
قال" لدي واحدة منتهية الصلاحية منذ عشر سنوات، و إن شئت الصراحة هي مزورة أصلا.."
قلت:" إن كانت كذالك سأبلغ الأمن، لا وقت لدي لتضيعه معك"
قال:" ما الضير في أن يحمل شخص مزور بطاقة مزورة!"
قلت بصوت حازم:"أعطيني بطاقتك، أو تفضل بالانصراف هناك طابور طويل ورآك"
وضع بطاقته أمامي؛ قبل أن أبدأ في تدوين معلوماته الشخصية، رن هاتف المكتب كانت المكالمة من مكتب مدير المستشفى، بعد التحية قال:" هل سجلت شخص اسمه: عبد الله السملالي؟"
أجبته:" أوراقه بين يدي الآن"
أضاف بصوت آمر:" سجليه، و ضعيه في غرفة لوحده، و أعطيه شراشف جديدة، و أبلغي كل ممرضي الجناح أن يعتنوا به و يلبوا طلباته."
لم أزد عن قولي:" حاضر."
أكملت باقي إجراءات التسجيل بحذر؛ فمعرفته بالمدير و التوسط له شخصيا لا تبشر سوى بالمتاعب.
حين انتهيت وضعت القلم أمامه و بقليل من الاحترام الزائف قلت:" لو سمحت وقع هنا"
أزاح نظاراته عن عينيه التي تشابكت خطوط التجاعيد حولها، أخذ القلم و رسم وجها مبتسما. نظرت إليه و أنا أكاد أصرخ من الغيظ:"هل جننت!" إلا أن لساني لم ينطق سوى:" هل هذا توقيعك!"
أجاب و ابتسامة باردة تعلو وجهه:" و هل لديكِ مانع؟"
وقّعت ورقة دخوله لمستشفى و أرفقتها بملفه الطبي بعد أن تصفحت الفحوص الموقع من مختبر للأورام؛ و التي تثبت تسرطن الجزء الأيسر من رئته. أنهيت قراءة التقرير المرفق، وقلت:" تفضل إلى الغرفة جيم، على يمين المكتب؛ فهي فارغة حاليا"
تنفس بعمق و غادر المكتب قائلا:" الغرفة جيم! ما أروع أن يسكن الإنسان الحروف بعد أن سكنته الحروف"
لم أبالي بجملته التي ضاعت في الدهليز المكتظ بالمرضى الذين ينتظرون أمام مكتبي
أو أمام غرفة الأشعة.
لم أتوقع حينها أبدا أن شرذمة كلماته ستصيبني بالدهشة لا تنفك تشدني إلى رسائله، و أن حروفه العابثة ستذكرني بأقدس أحلامي النيئة.
-----
* رتبة في سلم الوظائف بوزارة الصحة المغربية، لها مهام إدارية محضة، و لا علاقة للفظ بأي شبيه فونتيكي فصيح.

يتبع