" أكتب كي أبعث الحياة في الناس و في الطبيعة و في الأشياء" محمد خير الدين

2.25.2007

هاربة إلى فم لحسن


4



حك أنفه و عرج على شعيرات ذقنه و كأنه ينوي نتفها و قال:" يا بنت البلاد؛ إن الحب رغم أنه غامض و محير، و يجعل الوهم حقيقة؛ إلا أنه يجعل الحياة أكثر روعة، و يتدحرج بالإنسان نحو الاكتمال، و يجعل النجوم تداعب النواصي و الأقدام؛ و لا يترفع عن آلاءه إلا المخبول، أم الشوق فلا يكون فقط حين يغيب طيفا من نحب عن أعينينا، بل و حتى حين يكون لصيقا بنا."
قلت متعجبة:" يا ابن البلاد، لقد طلبت منك أن تروي قصتك معها، لا أن تحدثني كالإمام المستور؛ عندما أطل برأسه المبارك من السرداب قبل ألفي سنة مما تعدون!"
قال وهو يقلب شفته السفلى و يحرك رأسه يمينا و يسارا:" لا أدري أي قدرٍ قادني لأن أجلس بجوار امرأة سليطة اللسان، تمزج الصوائت بالصوامت و السنة بالشيعة! سأخبركِ ليس لأني راضخٌ لمشيئتكِ، بل لأنني أعتز بقصتي التي لا تشبه قصتك التعيسة البائسة التي انتهت قبل أن تبدأ أصلا، الأكيد أنه (لم تخبريني اسمه) هاجر ليس هربا بشهادته لكي؛ لا تَصْفَرّ من الشمس أمام البرلمان، و لا تبلى من كثرت ما ذرف الدموع عليها حين أصابه اليأس من أن يقدر وطنه مؤهله العلمي؛ بل هرب من لسانك الذي لا يكل و لا يمل من النعيق، أكيد أنكِ لا تقلين جحودا عن هذا الوطن."
قلت و أنا أنظر إليه بغضب:" هذه طريقة بليدة لتّـهرب من الإجابة، و وصفي بما لست أهلا له، اخترق صمتي منذ المحطة الأولى، و لم تتوانى عن قلب دفة الحوار لتبطنه شتائمك، أرى أنه من الأفضل أن نتوقف عن الكلام."
ابتسم و قال:" حسنا لا تغضبي يا بنت البلاد قد كنت أمزح. إليكِ قصتي:
التقينا في مهرجان السينما الدولي، و خلال الندوات المقامة لمناقشة الأفلام، كانت مداخلاتها تلفت دائما انتباهي؛ أول مرة أقابل فتاة تفهم في الإنارة، في السيناريو و في الديكور... كانت معلوماتها غزيرة و دقيقة. أخبرتني فيما بعد بأنها طالبة بالمعهد السينمائي. كنا طيلة أيام المهرجان؛ نلتقي خلال عروض الأفلام، أو لقاءات الصحافة على هامش المهرجان؛ الذي تمنيت لو يطول لأشهر أخرى؛ لكي لا يغيب عني وجهها. على بساطتها كانت أكثر إثارة من كل العابرات للبساط الأصفر؛ لا أدري ما الذي شدني إليها تحديدا؛ هل هي ثقافتها، أم شعرها الأسود الذي تمسكه من الوسط بمشبك أبيض، أم ابتسامتها الهادئة، أم صوتها الشديد النعومة رغم أنها لا تتنمق في الكلام، أم لأنها لا ترتدي كعب عاليا لتذكرني بقصر قامتي، أم لأنها لا تجعل من وجهها لوحة زيتية بدون إطار. ربما أحب فيها كل هذه الأشياء مجتمعة مع بعضها؛ و قد يكون الأمر مجرد تجاذب كهرومغناطيسي لا يخضع لتفسير منطقي، فما حيلتي (إن لمت القلب يقول العين قد نظرت، و إن لمت العين تقول القلب قد عشق).
منذ ذالك التاريخ؛ و أنا أسافر أسبوعيا و أجتاز الكيلومترات تلو الكيلومترات؛ لا لشيء سوى لأصطحب امرأة إلى السينما، لا يثيرني الفيلم المعروض على الشاشة الكبيرة بقدر ما يثيرني انعكاس مشاهده في عينيها، و حين أكون متعبا من رحلة القطار الطويلة أجدني أغظ في نوم لذيذ بجانبها؛ لدى صرت أحب الأفلام الطويلة.
ما أستغرب له دوما هو؛ لماذا كل الكراسي التي نجلس عليها في السينما تصدر أصوات!!"
نظر إلى الأرض مليا ثم اِستدرك قائلا:" لن أخفيكِ سرا؛ لقد وجدت فيها المرأة التي كنت أتخيل دوما؛ امرأة لا تهتم كثير لرصيدي المادي بقدر ما تهتم برصيدي القيمي، امرأة صريحة و تحبني كما أنا بدون شروط، امرأة أحس بأنها بنت البلاد مصادق عليها، وليست مستوردة، امرأة تنزع نحو المثالية و لا تقول أو تفعل سوى ما تؤمن به.
لا أريدها لفترة عابرة من الكونكبيناج أو ما شابه، بل أريدها أن تكون ظلي و رفيقة دربي و أُمّا لأطفالي.
أتمنى أن تكوني راضية الآن، و تتوقفي عن تعميم قولكِ؛ بأن الرجال يرفضون الإقرار بحضور الآخر في مخيلتهم."


ترقبوا الحلقة القادمة مع ولد البلاد؛ فقد تكون الأخيرة.

2.20.2007

هاربة إلى فم لحسن


3



فجأة توقفت عن السرد و في قرارة نفسي متعجبة من بوحي الحميمي؛ لهذا المتطفل الجالس بجواري، آ لهذا الحد تكدست مشاعري فضاق عنها صدري؟ ماذا عساه يقول عني الآن؟
بقيت صامتة و بداخلي غليان من التأنيب، كل هذا و جاري ساكن ينظر إلى رجليه اللتين مدهما تحت الكرسي المقابل، بدا و كأن شيء ما قد أخذ بفكره؛ فغاص في تقليب صفحاته الداخلية بعيدا عني، استفزني صمته فقررت أن أصمت بدوري، لعلنا ننهي هذه المسرحية الارتجالية.
أدرت وجهي نحو النافذة أراقب الأرض تركض، و أتسأل فيما تفكر هذه الكتلة البشرية التي بجانبي؟
بعد لحظة دخل رجل يدفع عربة بها قهوة زكمت رائحتها أنفي؛ و في انتظار أن يصل البائع إلى مقعدي؛ أغلقت عيني و أخذت نفسا عميقا، ورفعت أنفي أتتبعها، كما تفعل شخصيات الرسوم المتحركة.
التفت إليَّ جليسي و كأنه لاحظ حركة رأسي فسمعته يقول لي:" هل تشربين القهوة؟"
و لأنني كنت قد دخلت لحظة صمت أو على الأقل هكذا أقنعتني؛ اكتفيت بهز رأسي إيجابا.
مع أول رشفة لسعت لساني، أحسست بانتعاش بدد ارتباكي.
قال و يده تتناوب بين رفع كأسه إلى فمه و وضعه على فخذه:" لم أفهم بعد ما علاقة ما سردته بهروبك إلى فم لحسن؟"
قلت:" بعض الأصوات التي نقابلها في الحياة، تبْصُمُنَا لكْنَتُهَا، و دون أن ندري يُزرع فينا الإدمان عليها، كل شيء يمكن التخطيط له إلا الوقوع في أسر شخص عبث بنواميس البديهة لدينا، و لا ندري كيف اهتدى لرمز شفرتنا السرية؛ فصال وجال كما شاء في قلبنا، و لم يتعب نفسه ليقنعنا حتى بأن التَّعَود يُرَسِخُ الحُضُور و يُصعِّب النسيان.
إني هاربة من كل ذكرى؛ محفورة في جدران و أسوار المورسكين، و في كراسي المقاهي الصغيرة، و في رفوف المكتبات العتيقة، و على مدرجات الجامعة، و شباك المسرح، و صخور شاطئ؛ برحيله بدت المدينة تعسة مكفهرة؛ كل الأماكن و كل الفصول المتعاقبة عليها تذكرني لتعزيني و تعزيني لتذكرني؛ لدى أنا راحلة هروبا من ذاكرتي المترنحة بين كل هذا."
قال:" قد تصح حيلة الرحيل لو كنت يا بنت البلاد ستتركين ما يأرقكِ خلفكِ، لكن هذا مستحيل لأن الذكريات ليست حبيسة مكان يمكن وصده بالأقفال، بل هي سَتَقْتَفِي آثرك أينما حللت أو ارتحلت، ما مضى سيجد حتما مكان بداخلك ليُقبِـر فيه نفسه، و ستدبُ الحياة فيه في أية لحظة؛ ليصحو و يذكركِ بوجع الماضي؛ تماما كفيروس في حالة كمون، أو كبركان خامد؛ و لن تَدري أبدا متى سينشط؛ ربما فقط مكان ما، أو اسم ما، أو صوت ما، أو رائحة ما؛ كفيلة ببعث ذكراه من جديد.
فلتعلمي أيتها الهاربة إلى فم لحسن؛ أن ذاكرة الإنسان ذو بنية كيميائية؛ لا شيء ينقص منها و لكن كل شيء يتحول؛ يتحول لكنه يبقى، هل فهمتي؟"
قلت:" يا ابن البلاد؛ إن الذي يتكلم كخبير عن الحب، تكون عيناه مليئتين بالحرمان أغلب الأوقات؛ فهل تواسيني أم تكشف اشتياقا حارقا لذكرى تحاول كتم أنفاسها بين جوانحك؟ لما لا تخيب ظن الموروث الذكوري فيك؟ الذي يجعل الرجل فوق البوح بالاستسلام الطوعي و الاطوعي للمرأة؛ و تعترف بأنها استلقت فوق أوراقك، و قضمت الفواصل و الحروف منها ولم تُبْقِي سوى على نقطة أخر السطر؟؟"



الحديث مستمر مع ولد البلاد

2.14.2007

هاربة إلى فم لحسن*


2


قال:" قلتِ بأنك هاربةٌ إلى فم لحسن! لما أنت هاربة إلى ذلك المكان القصي؟"
قلت:" يا ابن البلاد قصتي طويــلة؟"
قال:" يا بنت البلاد صبري أطول"
قلت:" كل رفاقي قد رحلوا، أو غُيِّبُوا؛ و لن تحل محلهم و لو كنت قاب قوسين أو أدنى، و حتى إن أبديت اهتماما فلن تكون أوفى من غيرك."
قال:" لستُ أفضل من الوجوه التي تُحَنطِينَ في ذاكرتكِ، لكنهم ليسوا بأفضل مني، و أعتبر الفضول المعرفي غريزة لا علاقة له بالخلفيات، ثم إن بيننا ميثاق لا يسعكِ إنكاره؛ ألم نتفق منذ المحطة الأولى أن نتكلم بدون حساسيات، أو اعتبار لغيرية الأخر؛ بل أن نعتبره جزء من الذات المتكلمة/المنصة في الآن ذاته!!"
قلت:" سأخبرك إذا وعدتني بأن لا تقاطعني حتى انتهي، و أن لا تنام أثناء ذلك.."
قال:" ههه ! قطعا لن أنام؛ ليس لأن ما قد تقولينه سيُعتبر مهما، بل لأنني أخاف على محفظتي"
قلت:" لكن قصتي حزينة فهل عندك ورق كلينكس ؟"
قال:" لم أحمل معي كلينكس، لأنني لا أعاني من رشح الأنف، و لا أبكي، و لا تبكي النساء على صدري؛ فما حاجتي إليه؟ لكن إذا كنتِ حالة استثنائية؛ فحينها سأعيرك ياقة قميصي علها تفي بالغرض، ثم إنكِ لست بضاعة دنيماركية حتى أقاطعك؛ هيا قولي لما أنت هاربة إلى فم لحسن؟"
قلت:"اِتصَلت و قالتَ؛ بأنها تريد رؤيتي على عجل، حين زرتها احتضنتني و عينيها دامعتين، استغربت للأمر هذه المرأة التي غيَّر الزمان كل العقليات من حولها و بقيت هي كما هي، لقد كانت قوية دوما، و لم تظهر يوما عاطفة لأي لأحد حتى لأبنها الوحيد، لما تبكي الآن على صدري؟ و هي التي لم تكن يوما موافقة على اقتراني بابنها! هل ستخبرني بسر ما قد يجعلني أغير رائي فيه و أبتعد عنه؟
أفهم جيد أنه وحيدها، و أنني مجرد شلحة قادمة من الجبل؛ لا تتقن تقاليع المجتمع الفاسي الراقي، و لا أتكلم من أنفي، و لا أنطق القاف أ. و لا أحب البسطيلة؛ لكن لا افهم لما تقف أمام إرادة شخصين لا يحسان بطعم الحياة إلا معا!!
أيقظتني من حديثي الصامت حين قالت كنائحة:" آه يا لحبيـــبة ديالي حبيبي و حبيبك حرگ"
كدت أضحك من النغمة التي نطقت بها الجملة، لكنني تماسكت فقد بدت صادقة في حزنها. بعد لحظات فهمت ما كانت تعنيه بذالك؛ ابنها قد هاجر سريا إلى ألمانيا. لم أدري كم من الوقت لازمني لأستوعب الأمر، و لأستوعب بأنها أرادت أن تصفي حسابها معي؛ كانت تلف و تدور في الكلام إلى أن قالت:" أنا مثل أمكِ، و يمكنكِ الوثوق بي؛ إذا ما حصل شيء ما بينك و بين ابني؛ أستطيع أن أسوي الأمر مع عائلتك بدون مشاكل."
جملتها كانت صفعة صاعقة فقلت:" ربما أنت لا تعرفينني جيدا، لكن الآن تأكدت بأنك لا تعرفين ابنك أيضا... نحن راشدان و نستطيع تحمل مسؤوليات أفعالنا"
ربما كلامي أراحها من بعض مخاوفها؛ فصمتت و كأنها تأخذ نفسا عميقا بعد جهد جهيد، ثم قالت:" لقد تركَ لكِ أغراض أتمنى أن تأخذيها إنها على سريره؛ اعذريني لا أحتمل الدخول لغرفته دون أن أبكي."
اتجهتُ صوب غرفته فتحت الباب؛ ولأنني لم أصدق بعد ما صرَّحت به أمه؛ تصورت أنني سأجده في غرفته ليقول بأنه؛ يستحيل أن يتنفس بعيدا عني، لكن الغرفة كانت ساكنة؛ كل شيء كما هو؛ حذائه البني خلف الباب، خزانة الكتب و المكتب و الأقلام كل شيء في مكانه؛ تذكرت كم كان يحب النظام و الترتيب، و كانت هذه أبرز نقط اختلافنا.
العود لازال معلق فوق سريره لطالما اجتهد في تعليمي، ليس لأعزف بل فقط لأنه يحب أن يراني محتضنة عوده، على ذات العود غنى نوبة من موسيقى الآلة من قدام الرصع في عيد ميلادي؛ لا زلت أذكر مقاطعها حتى الآن:
رأيت الهلال ووجه الحبيب
فكانا هلالين عند النظر
فلم أدر أيهما قــاتـلـــــي
هلال الدجى أم هلال البشر
فلولا التورد في الوجنتين
و ما راعني من سواد الشعر
لكنت أظن الهلال الحبيب
و كنت أظن الحبيب القمر
فذاك يغيب و ذا لا يغيب
و ما من يغيب كما من حضر

تقدمت نحو خزانة ملابسه لا زالت فيها بعض القطع؛ البذلة التي ارتداها أثناء مناقشته لرسالة الدكتوراه، لا زالت ترتعش وحيدة على حاملها. التريكو الأسود؛ أو ما سمته معلمة الابتدائي سريدة صوفية سوداء، لا زالت بعض رائحته تفوح منها؛ كان قد ارتدها أخر مرة؛ أي قبل يومين من رحيله، أخذتها و وضعتها بسرعة في حقيبتي. أغلقت الخزانة و اتجهت صوب السرير وجدت ما نعتته أمه:" أغرضا عليََّّ أخذها معي"؛ ديوان محمود درويش:" لا تعتذر عن شيء فعلته" كتب على ظهر غلافه:" ضفتي الوحيدة؛ اِنسي كل شيء، و تذكري دوما شيء واحد فقط؛ بأنني أحبكِ، و بأني أُخْفِي ذكراك في تجويف القلب، قد أكون رجلا أهبلا؛ حين تركت كنزي خلفي، لكنني حتما كنت الأكثر حظ حين عثرت عليكِ. سأركب مثن الموت وحدي؛ لعَلِيَّ أركب يوما ما مثن الحياة معكِ. أحبك جدا جدا."
بجانب الديوان وجدت حقيبة البيانو الذي كنا نعزف عليه؛ فتحتها و أزلت غطائه، ضغطت بإصبعي على نوتا واحدة؛ تذكرت بأنني لا أعزف سوى باليسرى، و أنه هو من كان يعزف باليمنى في حين كانت يسراه تمسك بيمناي.
لم أنتبه لشرودي إلا و أمه قد دخلت الغرفة؛ لتستعلم عن سبب تأخري؛ حين رأتني أُغلق البيانو، قالت:" لقد أوصاني بأن أعطيك البيانو و ذالك الكتاب."
وضعت الديوان في حقيبتي، و حملت البيانو و خرجنا. ودعتها على وعد بالاتصال لاحقا.
في طريقي للبيت كان سؤال واحد ينخرني:" من سَيُدَلِلُنِي و يمشط النجوم عن شعري كل ليلة؟"

الحديث مستمر مع ولد البلاد.

مبارك و مسعود عليكم سيدي فلانتين.

* منطقة بجنوب المغرب

2.08.2007

هاربة إلى فم لحسن*



1


كنت أجلس بجانب النافدة، في الدرجة الثانية من القطار، كان يجلس بجانبي شخص لم أكلف نفسي عناء النظر إليه، و أمامي يجلس فتى و فتاة لا يكفان عن الهمس، كانت ركبتهما ملتصقتين، بدا و كأنهما في آخر مراحل الثانوي، ما بين السادسة عشرة و الثامنة عشرة سنة.
و أنا أخرج كتابي من الحقيبة، سمعت رجل يصيح من الصف الآخر:" أش هذا المنكر، مبقا حد كيعرف يربي بناتو، حتى ولت الزنقة حمَّام و التران حمَّام، و ول التعن.. و ال... عادي" أحنيت رأسي إلى الأمام لأنظر إلى مصدر الصوت؛ فوجدته رجل ذو شارب كث اختلط فيه السواد ببياض الشيب، كان طويل القامة و قوي البنية، و يحمل بين يديه جريدة ملفوفة كانت نظراته مصوبة اتجاهي؛ حتى خلته يعنيني بالقول، لكن حين رد عليه الفتى الذي كان أمامي عرفت بأنه هو و الفتاة المقصودان، الرجل لم يحتمل رد الفتى عليه، فقفز من مكانه و أمسك برقبته؛ هب كل من في القطار لفك المشتبكين؛ كنت أبعد رأسي كي لا تهوي ضربة طائشة نحوي. لإيقاف العراك؛ تَمَ التحايل على الفتى و الفتاة ليغادرا إلى مقطورة أخرى، لكن و رغم إذعانهما إلا أن الرجل اعتبر نفسه بذالك قد أنقذ البشرية من الضلال؛ فلم يكف عن الوعظ؛ و كأنه كان ينتظر فقط تلك الفرصة.
أغرب ما في الأمر أنه تشدق كلامه ذاك؛ بفصحى تذكر بخطب المنابر أو بعض الفضائيات.
لم يكن منظر الثنائي، الذي تذرع بشتمهما دفاعا عن الأخلاق، لم يكن بسوء الذي وصفه؛ كانوا مجرد مراهقين، و لباس الفتاة لم يكن كما وصفه، لكن لا أدري كيف استطاع أن يخلق إجماع داخل المقطورة بأن ثمة جريمة أخلاقية في العلن.
مغادرة ذالك الثنائي للمقعد مكنني من وضع حقيبتي التي كانت تضغط على رجلي منذ صعودي للقطار، فتحت كتابي عله يبعدني عن صوت هذا الذي نصَّب نفسه فجأة إماما، فإذا بالذي يجلس بجانبي يقول:"متى سينتهي البث المباشر لركن المفتي!"
نظرت إليه و كنت أرغب في القول:" نتا لي بقيتي ليا"؛ لكني أجبت متصنعة الابتسامة:" عند نهاية الإرسال". ابتسم و عاد لصمته.
بعد مدة أٌعْلِنَ دخول القطار للمحطة الموالية؛ فوقف ذالك الرجل و قال و كأنه يخاطب أتباعه:" يا أحبابي؛ تذكروا أن الساكت عن الحق.... تبثكم الله على الحق، و سدد خطاكم علي طريق المَحَجَّةَ البيضاء التي ارتضاها لكم؛ و التي ليلها كنهارها" كان يخيل إليَّ أنه سيعقب دعائه ذاك بطلب الصدقة؛ لأطفاله السبعة أو العشرة و لزوجته المريضة كما يقع دائما في الحافلات. أو أنه سيقول:" استووا يرحمكم الله، تزاحموا تراحموا، حاذوا بين المناكب، لا تتركوا الفرجات لشيطان." لكنه لم يقل لا هذا و لا ذاك، و أسرع إلى الباب لينزل.
تحرك القطار و عاد الركاب إلى هدوئهم السابق.
" و أخيرا عفا علينا الله!" قالها جليسي و وجهه مستدير نحوي.
لم أرد بشيء و اكتفيت بالابتسام، نظرت إليه كان شاب بين السادسة و العشرين و الثامنة و العشرين كانت لحيته الخفيفة تحيط بشكل بيضوي بفمه، و عينه و إن لم أتبين لونهما جيدا إلا أنني أرجح أنهن عسليتين. كان متوسط القامة و معتدل الجسد.
أضاف:" هناك من لا يفرق بين النقد و السب و النصح"
أجبته قائلة:" النصيحة على رؤوس الأشهاد فضيحة و ليست نصيحة، ثم أن الأمر لم يكن يتطلب كل تلك الجلبة التي أقيمة حوله"
استدرك قائلا:" لم أُعَرِفكِ بنفسي؛ أنا ولد البلاد"
استغربت لذاك التمويه المجاني، إذا لم يكن يريد أن يعرفني بنفسه لما تكلف ذالك!
حين رأيته ينتظر مني أن أجاريه وأقدم نفسي قلت:" أنا بنت البلاد"
ضحك و قال:" هل هذا اسمك! "
قلت:" هل هذا اسمك!"
قال:" ذالك هو اسمي"
قلت:" ذالك هو اسمي"
قال:" فليكن"
قلت:" فليكن"
قال:" إذا يا بنت البلاد إلى أين أنت ذاهبة؟"
قلت:" إلى أرض بعيدة لا وجود لها على خريطة البلاد يا ابن البلاد"
قال:" إذا سترحلين إلى مكان غير موجود، ألا تخافين أن ينفى وجودك في مكان غير موجود؟ سيصير لازما إثبات وجودكما معا، وحيث أن لا دليل لوجود ذالك المكان جغرافيا فسيصعب تحديد وجودكِ فيه. ما حاجتكِ لكل هذا الدوران، لن ألحق بكِ سواء عُـرِفَ مكانك أو جُهِل!"
أجبت:" أنا لا أدور، و أستبعد لحاق أيّن كان بي، و لم يحدث يوما أن حاول أي رجل اللحاق بي؛ و لكي تفهم ما أعنيه؛ فعدما تنتهي سكة هذا القطار، سأستقيل حافلة إلى طاطا، ثم سيارة أجرة إلى فم لحسن ثم سأركب جملا أو أي شيء ".يستطيع أن يسر في رمال الصحراء إلى أن أصل منطقة تسمى تيمزلين"
قال:" تيمزلين؟! لم أسمع بهذا الاسم من قبل
."
صمتنا لبرهة، ثم استدار من جديد صوبي قائلا:" بما أنه أمامنا ساعات لنصل إلى أخر محطة و التي سنفترق بعدها، و من المحتمل أن لا نلتقي مجدد، لما لا نعقد اتفاقا؟"
قلت:" ما هو؟"
قال:" أن نتكلم طيلة الرحلة دون أية حساسية، و كأننا نحدث أنفسنا؛ أن نجهر بمنولوجنا الداخلي مثلا."
قلت:" تبدو فكرة جذابة"
قال:" لما أنتِ مسافرة إلى فم لحسن، نسيت اسم تلك المنطقة؟"
قلت:" تيمزلين، في الحقيقة أنا لست مسافرة؛ أنا هاربة.."
قال:" هاربة! ممن تهربين؟ بصراحة أنا كنت أشك فيكِ منذ البداية، ففي الغالب كل مرأة تضع نظارات كعيني النحلة، و تحمل كتابا مُغَلفاً؛ لكي لا يُعْرَفَ عنوانه، و تُقبل على الحديث بسهولة و كأنها تعرفك منذ الأزل، و ترحل عفوا تهرب إلى الصحراء؛ هي في اعتقادي امرأة مشتبه بها، هل أنت من البوليزاريو؟ صحيح يحتمل أن تكوني جاسوسة؛ فأغلب الجاسوسات لهن أنف دقيق؛ هيا ارني مذكرتكِ الصغير؛ حيث تكتبين ملاحظاتك بلغة و حبر سريين؛ لا تفهمها غير الشبكة التي تعملين لصالحها، هلا نزعت نظاراتك لأرى إذا ما كنت تشبهين إحدى وجوه الصور المعلقة في باب المخفر؟عل المخزن يرضى عني و يكافئني و لو مرة واحدة."
قلت و أنا أزيح النظارات عن عيني:" قصة رائعة يا وارث جيمس بوند."
قال:" بعينيكِ وميض غريب؛ قد يؤشر على ذكاء خارق، و بالتأكيد فكل امرأة ذكية هي خطيرة على مجتمع المتخلفين، لكن فاقد الشيء لا يعطيه؛ فكيف لبويضة متخلفة، و حيوان م... متخلف أن ينتجان مخلوقة ذكية! لابد أنك مخلوق فضائي و الأكيد أن حقيبتك لا تحتوي على ملابس نسائية بل على قنينات دم خضراء، هلا أخبرتني عن الحياة عندكم؟"
قلت:" بما أنني مصاصة دماء لم لا تفر بنفسك قبل أن أنقض على رقبتك و ألوك قلبك!"
قال:" ههه لستِ مصاصة دماء، لو كنتِ مصاصة؛ لعلمتِ أنه في هذه الأثناء يعقد مؤتمر وطني لمصاصي الدماء برئاسة فخامة المصاص الأكبر، في مبنى الحكومة، ليتباحثوا أمر دم الفئة المتمردة؛ الحاملة لسيتوبلازم مضاد للخضوع."
قلت:" ألا تخاف أن أشي بك، من يدريك لعلي مع ال...، ألا تخاف أن تنام ليلتك في مكان مجهول العنوان تحت الأرض؟ أو أن تقول جرائد المساء بأن حمى التفويد قتلت شابا في مقتبل العمر، و لم تستطع السلطات تشريح الجثة لأنه بعد أن مات بفعل الحمى دهسه القطار و هو ذاهب إلى المقبرة، إن لله و إن إليه راجعون"
قال:"سأخبركِ قاعدة مغربية لم يشد عليها إلا من نذر، من لم يدرس في عهد محمد الخامس فلن يُحَصِل العلم أبدا، و من لم يصبح ثريا في عهد الحسن الثاني؛ فلن ينال الثروة أبدا، و من لم يدخل السجن في عهد محمد السادس فلن يدخله أبدا"

للحديث بقية مع ولد البلاد.

--
* منطقة جنوب المغرب، بسفوح الأطلس الصغير.