" أكتب كي أبعث الحياة في الناس و في الطبيعة و في الأشياء" محمد خير الدين

6.15.2007

رسائل بلا عنوان




اللقاء الثاني

انتشلني صوت عاملة النظافة من ذالك الصمت الهادر؛ باللحظات القليلة التي رأيت فيها عبد الله السملالي؛ وهي تقول:" مساء الخير، لقد نظفت الغرفة جيم، هل أُنزل الأغراض التي بها إلى المستودع؟"
فكرت قليلا فأجبتها:" ضعيها هنا لتسلم مع شهادة الوفاة لعائلته في الصباح."
وضعتْ حقيبة سفر ممتلئة بملابس أو ما شابه بزاوية المكتب، و فوقها رصت كومة جرائد، و غادرتْ.
قصدت الجرائد لعلي أعثر فيها على ما قد يُسلي ليلتي الكئيبة؛ و أنا أفتش بينها، و جدت مذكرة بنية، فكرت قليلا قبل أن أفتحها فيما إذا كان يجدر بي فعل ذالك، لكن فضولي حسم الأمر؛ فتحتها وجدت بها مغلف يحمل صُور؛ لرجال و نساء و أطفال يتوسطهم عبد الله السملالي في الغالب، في إحداها تظهر خلفية تمويهية لإحدى القصور الأندلسية؛ و هو واقف يحمل سيفا و بجانبه امرأة بلباس الجواري و لولا شعرها الأشقر لاختلفت في جنسيتها، في صورة أخرى يجلس إلى طاولة الطعام يفرك حبة الرمان، و في أخرى يدخن سيجارته و يرشف كأس الشاي الباهت اللون..
أمضيت زهاء ساعة أقلب الصور و أعيدها، أقارن شكله؛ و أستغرب لسخرية تلك الابتسامة التي تقفز من الصور التي دُّونَ على ظهر بعضها تاريخ و مكان التقاطها.
قلبتُ صفحات المذكرة فقرأت نصوص شبيهة برسائل مرقمة، لعله كان سيبعثها لأصحابها، أو أنه رحمة الله عليه كان مصاب بلوثة الكتابة فيكتب دون أن يفترض أي قارئ غيره؛ فيكتب رسائل منه إليه؛ بعد أن ملل من صندوق رسائله الفارغ دوما، أعرف ذالك الإحساس جيدا، و لعله لم يبلغ به الجنون ما بلغ بي و لم يكتب اسمه بخط كبيرا مضغوط على صندوق رسائله بدهليز العمارة تحسبا لأن يكون ساعي البريد من ضُعاف البصر، و ربما لم يسافر إلى المدن الأخرى و قبل أن يعود يرسل رسالة مطولة إلى عنوان بيته عبر البريد البطيء؛ و حين تصل الرسالة بعد أسابيع يكون قد نسيها تماما فيفرح حين يدق البواب بابه و في يده الرسالة و يتكرم عليه ببقشيش أكثر مما كان يعطيه عادة. سواء بعث عبد الله السملالي لنفسه أو لغيره في الحالتين أفهمه جيدا، و أحس بزفرة رغبة الصريحة بين أوراقه. و من يدري لعلي بنشرها هنا قد تصل لأصحابها!
لا أعرف إذا ما خاب ظنكم الآن في تزارت، بعد أن عرفتم بأنها تطاولت و انتهكت حرمة أجندة ميت لم توارى بعد جثته التراب، فمن خاف منكم على نفسه مشاركتها الإثم فليتوقف عند هذا السطر، و من لا يأبه بذالك فليواصل قراءة أول جزاء من تلك الرسائل

الرسالة الأولى:
" إلى التي يُّضِّلُنِي ظلها، فأزداد اقتربا منها كلما ابتعدت عنها،
في متاهة تشردي لم يبقى لي في حقيبتي سوى عنوانكِ الذي انحل حبر خطه، أذكر يوم خطته على عجل و قلت مودعة:" خذه لكي لا تتوه" لقد صدقت التنبؤ؛ تُهتُ و أمعنتُ في التيه، تشردت بين بلاد أسكنها و لا تسكنني و بلاد تسكنني و لا أسكنها، كل تلك الأجساد، كل تلك الجبال، كل تلك الأنهار؛ التي اِعتليتها يوما اعتلتني إلى الأبد.
فهل ستسمحين لكهلٍ متسكع يعصر اللحظات ليعيش رمقها الأخير؛ بأن تدني رسائله منكِ أكثر لتصل رائحة عرقكِ حروفه الضالة، فيكف عن التيه و يهتدي لشيء الناقص في حياته. "
ع.السملالي


الرسالة الثانية:
"اشتقتُ إلى حكاياتنا، إلى نكتنا الغارقة في البذاءة، إلى وقع خطواتنا على بلاط أزقة الشمس. اشتقت لأن توقظيني كل صباح و أنت ترتبين شعري الذي نفشتِِها ليلا.
بنيت كل حياتي مفتوح العينين على الأحلام فكنت أروعها، و بين حلمٍ و آخر يقفز
وجهكِ ليحاصرني قوسا حاجبيكِ من كل جانب.
أيتها الفراشة المبادرة في الاقتراب و الابتعاد؛ سأستمر في الكتابة إليكِ لأنني كالصوفي إن كتم وهج حال المقامات المتفجر بداخله مات محتقنا بإشراقاته.
سأكتب إليكِ لأقاوم الفناء الذي يطوق سراب صوركِ على جدران الذاكرة. سأصارع النسيان لأنه موت سريري.
أمام حزام ذكرياتكِ الناسف ليس لي سوى أن؛ أفجِّره على ورقة بيضاء أو على طاولة خضراء؛ في الأولى سيقال كاتب هاوي و أمه الهاوية، و أبوه مجهول الهوية، و في الثانية سيقال مفلس أخرق؛ يقامر بحفنة ذكريات يابسة لا تصلح سوى ليضيفها لأعواد مدفئته في ليالي الشتاء الطويلة. "
ع.السملالي


الرسالة الثالثة
"الحاضر لحظة عابرة، قد يكون جزءا قياسيا من الماضي و قد يكون مجرد لحظة مرتقبة من مستقبلٍ لا أملك أية ضمانات بقدومه.
لست متيقنا سوى من هذه اللحظة، و بما أنها ستفنى بعد لحظة، وقد لا أملك غيرها فهي الأنسب لأسألك؛ لما افترقنا صامتين؟ لما لم تتفوهي بأية شتيمة محترمة أو عاهرة علموكِ إياها، أو تعلمتها خلسة، لما لم تلوحي بيديكِ مهددة ؟ لما لم ترفعي كتفيكِ ضجرة؟ من أين أتيتِ بكل ذاك التحضر!
حين غبتِ يومها؛ لا أذكر هل صعدت طاولة بيتي أم طاولة الحانة و صرخت في الكراسي الفارغة:" قفا نبكي العدم المطلق فقد رحل الوجود."
و إن غادرت حياتي كلها، فلن تفارقيني أبدا."
ع.السملالي

---

يتبع

24 commentaires:

Blogger N@doud@ a dit...

aye, une beauté divine
j'ai vraiment rever en le lisant
merci bcp

9:12 PM

 
Anonymous أنيما a dit...

أياياياياياياي
الرسالة الثالثة ما أروعها
و ما أروعك أنت أيضا تزترت بالرغم من فضولك
أثرت فضولنا نحن
الله يخليك لينا
ننتظر البقية

10:24 PM

 
Blogger tazart a dit...

@ n@doud@
العفو
مرحبا بك

1:03 PM

 
Blogger tazart a dit...

إلى أنيما
أنت الأروع دوما اشكر إطرأك

1:04 PM

 
Anonymous رات a dit...

تازارت
كتابة بديعة و حكاية مشوقة

11:46 AM

 
Anonymous 3az3ouza a dit...

ظننت انك من تخيل القصه.. احس بنفس الفضول الذي انتابك و اتحرق شوقا لمعرفه القصه كامله

5:44 PM

 
Anonymous jilal a dit...

sympa tes mémoires et tes ecrits j'ai apprecié les lettres 2 et 3
tu devrai publié un livre.
Salutations

6:39 PM

 
Anonymous sophia a dit...

je suis curieuse de savoir le reste, surtout après la derniere lettre, elle est vraiement touchante

9:15 AM

 
Blogger Minto a dit...

سلام
"قفا نبكي العدم المطلق فقد رحل الوجود"اياياي..

اجمل وابدع فضول

مينتو تشاطرك الفضول
تحياتي

9:41 AM

 
Blogger linda a dit...

عزيزتي لا أعتقد ان نشرك هو انتهاك لخصوصياته بل لربما كان ينتظر شخصا جريئا يستطيع الصراخ بها فهو لم يجرؤا يوما

اما عن كلماته فهي اكتر من رائعة

بهنيك وبهنيه وفعلا الرسالة التالتة كانت الأروع على الإطلاق


تحياتي لك وله رحمه الله

12:02 PM

 
Blogger pofpof a dit...

اعجبت كثيرا باللقاء الثاني , لانه ملئ بالامل....اعجبتني الرساله 3 .
اسلوبك رائع فعلا يا تزارت

1:29 PM

 
Blogger tazart a dit...

إلى رات

شكرا ، يسعدني أن أعرف أنك مررت ذات ليلة لقراءة ما كتبت ذات ليلة سهدتها لوحدي

6:48 PM

 
Blogger tazart a dit...

@ 3az3ouza

من تخيل وحياة عيني

6:57 PM

 
Blogger tazart a dit...

jilal

سأفكر في نشر كتاب حين أقتنع أن هناك نص يستحق أن يمد الناس أيديهم إلى جيوبهم ليحصلوا على نسخةمنه
تحياتي الخالصات

7:02 PM

 
Blogger tazart a dit...

@ sophia

لا أدري أي سر تحمله الرسالةالثالثة لتأسر كل من قرأها ، وهذا سيخفني لأنني سأتسأل ألف مرةهل سأتمكن من كتابة رسائل أخرى مماثلة

7:07 PM

 
Blogger tazart a dit...

@ minto;

تحياتي
مر زمان لم تشرفني فيه
لا تنسي أبد أن زيارتك تسعدني

8:06 PM

 
Blogger tazart a dit...

@ linda

نحرص على اخفاء خصوصيتنا لأننا نعتقد أن لا أحد سيكون متسامح معنا أو متفهم لها، و نحيطها بالأسوار لنبعدها عن أنظار المتطفلين

8:11 PM

 
Blogger tazart a dit...

@ pofpof

أمل ما قبل الموت، أمل استثنائي فعلا
تحياتي

8:14 PM

 
Blogger Diala a dit...

تازارت
لا أدري إن كان هذا النص حقيقة أم خيال لكني أعرف أنك ابدعت و أمتعت

تحياتي

5:13 AM

 
Blogger Mourai Radouane a dit...

un seul mot à dire :
رائع

et puis ta curiosité est toute pardonnée si c'est pour nous gratifier de perles de textes dans ce genre.

tahiyaati

9:49 AM

 
Blogger tazart a dit...

a diala

أهلا بالغالية
أحدث النص مجرد خيال في خيال
تحياتي

8:15 PM

 
Blogger tazart a dit...

a mourai radouane

un seul mot à dire :
شكرا
لهلا يطيح فضولي على شي مسلم راني ما نخليه حتى نبقشش مصارنوا

8:28 PM

 
Blogger KAM a dit...

tezart
قرأت المدونة كلها
اعجبتني مدينة النخيل والشجار الذي نتج عن الحوار بين النخلتين. هل الملل والتعب من الوقوف كان سبب هذا الشجار؟
رسائل بلا عنوان مؤثرة وانا بانتظار التتمة
شكرا

5:17 AM

 
Blogger tazart a dit...

a kam

أهلا بك في أول زيارة لي سعدت كثيرا أن شيء من حلقتي أعجبك
تحياتي

8:08 PM

 

Enregistrer un commentaire

Abonnement Publier les commentaires [Atom]

<< Accueil