" أكتب كي أبعث الحياة في الناس و في الطبيعة و في الأشياء" محمد خير الدين

6.06.2007

رسائل بلا عنوان



اللقاء الأول

بمجرد دخولي دهليز الجناح (4) من الطابق الثالث للمستشفى الأنكولوجيا؛ ( متخصص في الأورام السرطانية) بدأت في تلقف تحيات زملائي المهرولين في الممر، خيل لي من شدة إسراعهم أنهم هاربون من جحيم ما لن يعودوا إليه بعد اليوم.
دخلت غرفة الاستقبالات، وجدت "الماجورة"* خديجة تحزم أغراضها، بعد أن تبادلنا عبارات التحية باقتضاب، و قبل أن تحمل حقيبة يديها و تخرج قالت:" رجاءا إملائي استمارة وفاة عبد الله السملالي، فقد توفي لتوه و لم يتبقى لي وقت لملئها، و أوصي بأن تُجمع كل أغراضه من الغرفة، فقد أبلغتني الإدارة أنهم سيحملون جثمانه في الصباح الباكر نحو الأطلس الصغير. "
صعقت للخبر، و ذعرت أكثر للبرود الذي نقلته به دون أن يبدو عليها الأسف؛ لا أدري أأكوام شهادات الوفاة التي تختم منذ اشتغالها هنا هي ما جعل الموت حادثا روتينيا بالنسبة إليها؟
قالت و هي تجتاز باب المكتب بقليل:" الوداع يجب أن أسرع فلابد أن ابنتي قد تعبت من انتظاري بباب المدرسة"
من أرشيف المكتب أخرجت ملف عبد الله السملالي و أخذت نموذج شهادة الوفاة و بدأت أستنسخ المعلومات ذاتها التي كَتَبْتُها بيدي في أول يوم لدخوله للمستشفى قبل شهر تقريبا
ختمت التصريح، و بحزن أحسست بأنها آخر خدمة أقدمها له، آه كم كان سريع الرحيل
ساد المكان سكون شامل؛ بعد أن انقطعت الزيارات الليلية عن المرضى، في ذالك السكون لم أستطع أن أقاوم صورة عبد الله السملالي التي استبدت بمخيلتي؛ أجهدت ذاكرتي في تذكره علِي أرسم صورة تشبهه، و دون أن أدري وجدتني أعيد تركيب فتات ملامحه في الفراغ المحيط بي.
أخذت كأس نسكافي و كرسي و خرجت لشرفة المكتب، كانت الشمس قد غربت تماما، تذكرت المرات العديدة التي رأيته فيها يحمل كيس السيروم بيديه و يقف بجانب نافذة غرفته أو بسطح الجناح؛ خلال لحظات الغروب، حتى في الأيام التي كان يشتد عليه المرض؛ و يصبح في أقصى حالات الوهن خصوصا بعد جلسة الأشعة؛ و رغم أن جسده كان ينتفخ بأسره و يصبح مجرد تحريك أطرافه مجهودا جبارا، و رغم موجة السعال الحادة التي كانت تستبد به فتطبق على أنفاسه؛ إلا أن كل ذالك ما كان يثنيه و لو ليوم واحد أن لا يكون في موعده لوداع الشمس الراحلة، فينظر إليها بشغف ساخر، و كأنها هي الأخرى ولهانة به؛ فيتبادلان النظرات تلو النظرات يُضمِّنانِها رسائل مشفرة..
تذكرت صورته في الأسبوع الأخير بعد أن ازداد نحولا و شحوبا؛ صورة تصيب رأسي بصداع يكاد يفجرني، و بغصة تخرم حلقي، و بالحنق على كل شيء، لا أدري هل كنت لحظتها أكثر إيمانا أم أكثر إلحادا و أنا أساءل القدر عن موته!
جلست مسندة رجلي إلى شباك الشرفة. كل شيء كان صامتا من حولي، لا أسمع سوى أزيز عربة الأكل أثناء توزيع وجبة العشاء على المرضى، و الحديث و السعال و الأنين الصادر من الغرف المجاورة لمكتب الاستقبالات حيث أقبع؛ لكن لا شيء من ذالك استطاع أن يبعد صورته و صوته عني، تذكرت أول يوم رأيته فيه؛ كان يوم الاثنين يوم استقبل المرضى الجدد، و قف أمام مكتبي و قال:" آنستي هلا حجزت لي غرفة يرى منها القمر.."
رفعت بصري إليه فإذا به رجل نقر الشيب صدغي رأسه، يرتدي قميص بنفسجي فاتح يتدل على سرواله الأسود و يخفي عينيه بنظارات شمسية.
قلت:" هذا مستشفى وليس فندقا."
تقدم نحو الكرسي أمام مكتبي و جلس، و أخرج ورقة موعده و قال و هو يمدها إلي:" في حالتي لن تكون أكثر من مقبرة، فهلا وصفتي لي شكل الموت لديكم؟"
لم تكن بي رغبة في الثرثرة معه؛ فتجاهلت الرد، و تفحصت تاريخ موعده الموقع من رئيس القسم، و أخذت القلم لأملئ ورقة دخوله للمستشفى، و قلت:" أعطيني بطاقة هويتك الوطنية."
قال" لدي واحدة منتهية الصلاحية منذ عشر سنوات، و إن شئت الصراحة هي مزورة أصلا.."
قلت:" إن كانت كذالك سأبلغ الأمن، لا وقت لدي لتضيعه معك"
قال:" ما الضير في أن يحمل شخص مزور بطاقة مزورة!"
قلت بصوت حازم:"أعطيني بطاقتك، أو تفضل بالانصراف هناك طابور طويل ورآك"
وضع بطاقته أمامي؛ قبل أن أبدأ في تدوين معلوماته الشخصية، رن هاتف المكتب كانت المكالمة من مكتب مدير المستشفى، بعد التحية قال:" هل سجلت شخص اسمه: عبد الله السملالي؟"
أجبته:" أوراقه بين يدي الآن"
أضاف بصوت آمر:" سجليه، و ضعيه في غرفة لوحده، و أعطيه شراشف جديدة، و أبلغي كل ممرضي الجناح أن يعتنوا به و يلبوا طلباته."
لم أزد عن قولي:" حاضر."
أكملت باقي إجراءات التسجيل بحذر؛ فمعرفته بالمدير و التوسط له شخصيا لا تبشر سوى بالمتاعب.
حين انتهيت وضعت القلم أمامه و بقليل من الاحترام الزائف قلت:" لو سمحت وقع هنا"
أزاح نظاراته عن عينيه التي تشابكت خطوط التجاعيد حولها، أخذ القلم و رسم وجها مبتسما. نظرت إليه و أنا أكاد أصرخ من الغيظ:"هل جننت!" إلا أن لساني لم ينطق سوى:" هل هذا توقيعك!"
أجاب و ابتسامة باردة تعلو وجهه:" و هل لديكِ مانع؟"
وقّعت ورقة دخوله لمستشفى و أرفقتها بملفه الطبي بعد أن تصفحت الفحوص الموقع من مختبر للأورام؛ و التي تثبت تسرطن الجزء الأيسر من رئته. أنهيت قراءة التقرير المرفق، وقلت:" تفضل إلى الغرفة جيم، على يمين المكتب؛ فهي فارغة حاليا"
تنفس بعمق و غادر المكتب قائلا:" الغرفة جيم! ما أروع أن يسكن الإنسان الحروف بعد أن سكنته الحروف"
لم أبالي بجملته التي ضاعت في الدهليز المكتظ بالمرضى الذين ينتظرون أمام مكتبي
أو أمام غرفة الأشعة.
لم أتوقع حينها أبدا أن شرذمة كلماته ستصيبني بالدهشة لا تنفك تشدني إلى رسائله، و أن حروفه العابثة ستذكرني بأقدس أحلامي النيئة.
-----
* رتبة في سلم الوظائف بوزارة الصحة المغربية، لها مهام إدارية محضة، و لا علاقة للفظ بأي شبيه فونتيكي فصيح.

يتبع










17 commentaires:

Anonymous pofpof a dit...

ssalam ssalam , had l9issat tatjib tbouricha!!!!!!!!!!!

9:25 AM

 
Blogger Anima a dit...

الله يرحمه

ننتظر البقية

12:01 PM

 
Blogger tazart a dit...

a pofpof

تبوريشا؟ علاش

8:29 PM

 
Blogger tazart a dit...

a anima

الله يرحمو ويرحمني معه

8:30 PM

 
Anonymous رات a dit...

تازارت بداية موفقة و طريقة ممتعة في صياغة بعض الانفعالات
بانتظار الذي يتبع

8:00 AM

 
Blogger Mourai Radouane a dit...

Bonjour,

bonne entrée en matière, le sujet est assez intriguant.


vivement la suite

2:21 PM

 
Blogger pofpof a dit...

tbouricha...la799ach had l9issa tatkhla33333
mais ton style est tres tres bien...ma3andi mantsallek

2:46 PM

 
Blogger tazart a dit...

إلى رات

أهلا بالعزيزة
سعدت بمرورك

8:38 PM

 
Blogger tazart a dit...

a mourai radoudane

مرحبا
شكرا على التشجيع

8:40 PM

 
Blogger tazart a dit...

pofpof

أنا هنا معندك ما تخاف

8:42 PM

 
Blogger أحمد مختار عاشور a dit...

حكاءة ممتازة كما عهدتك دوماً
فى انتظار باق الحلقات

12:14 AM

 
Blogger tazart a dit...

إلى : أحمد مختار عاشور

شكرا على اهتمامك بمتابعة حلقاتي

7:50 PM

 
Anonymous ميس a dit...

مساء لخير

أشد على يديك بحرارة، التفاصيل في غاية الدقة
هل تسمحين لي بمعرفة إلى أي برج تنتمي تزارت؟
على فكرة إنسرق إميلي ، فيريت تبعثي لي على هيد العنوان
myess-liban@gmail.com

7:55 PM

 
Blogger Mohamed El Kortbi a dit...

Bravo ...
M. Semlali Allah Yrahmou.

10:14 PM

 
Blogger tazart a dit...

amohmed el kortobi

مرحبا أتمنى أن لا تكون أخر زيارة
الله يرحموا

8:22 PM

 
Blogger tazart a dit...

إلى ميس
أفتقدك كثيرا

8:23 PM

 
Blogger layal a dit...

كما اعتقد انها قصه حقيقه
ذكرتني بأيامي بالمستشفي
بأنتظار التكمله
والله يرحمه

3:39 PM

 

Enregistrer un commentaire

Abonnement Publier les commentaires [Atom]

<< Accueil