" أكتب كي أبعث الحياة في الناس و في الطبيعة و في الأشياء" محمد خير الدين

2.14.2007

هاربة إلى فم لحسن*


2


قال:" قلتِ بأنك هاربةٌ إلى فم لحسن! لما أنت هاربة إلى ذلك المكان القصي؟"
قلت:" يا ابن البلاد قصتي طويــلة؟"
قال:" يا بنت البلاد صبري أطول"
قلت:" كل رفاقي قد رحلوا، أو غُيِّبُوا؛ و لن تحل محلهم و لو كنت قاب قوسين أو أدنى، و حتى إن أبديت اهتماما فلن تكون أوفى من غيرك."
قال:" لستُ أفضل من الوجوه التي تُحَنطِينَ في ذاكرتكِ، لكنهم ليسوا بأفضل مني، و أعتبر الفضول المعرفي غريزة لا علاقة له بالخلفيات، ثم إن بيننا ميثاق لا يسعكِ إنكاره؛ ألم نتفق منذ المحطة الأولى أن نتكلم بدون حساسيات، أو اعتبار لغيرية الأخر؛ بل أن نعتبره جزء من الذات المتكلمة/المنصة في الآن ذاته!!"
قلت:" سأخبرك إذا وعدتني بأن لا تقاطعني حتى انتهي، و أن لا تنام أثناء ذلك.."
قال:" ههه ! قطعا لن أنام؛ ليس لأن ما قد تقولينه سيُعتبر مهما، بل لأنني أخاف على محفظتي"
قلت:" لكن قصتي حزينة فهل عندك ورق كلينكس ؟"
قال:" لم أحمل معي كلينكس، لأنني لا أعاني من رشح الأنف، و لا أبكي، و لا تبكي النساء على صدري؛ فما حاجتي إليه؟ لكن إذا كنتِ حالة استثنائية؛ فحينها سأعيرك ياقة قميصي علها تفي بالغرض، ثم إنكِ لست بضاعة دنيماركية حتى أقاطعك؛ هيا قولي لما أنت هاربة إلى فم لحسن؟"
قلت:"اِتصَلت و قالتَ؛ بأنها تريد رؤيتي على عجل، حين زرتها احتضنتني و عينيها دامعتين، استغربت للأمر هذه المرأة التي غيَّر الزمان كل العقليات من حولها و بقيت هي كما هي، لقد كانت قوية دوما، و لم تظهر يوما عاطفة لأي لأحد حتى لأبنها الوحيد، لما تبكي الآن على صدري؟ و هي التي لم تكن يوما موافقة على اقتراني بابنها! هل ستخبرني بسر ما قد يجعلني أغير رائي فيه و أبتعد عنه؟
أفهم جيد أنه وحيدها، و أنني مجرد شلحة قادمة من الجبل؛ لا تتقن تقاليع المجتمع الفاسي الراقي، و لا أتكلم من أنفي، و لا أنطق القاف أ. و لا أحب البسطيلة؛ لكن لا افهم لما تقف أمام إرادة شخصين لا يحسان بطعم الحياة إلا معا!!
أيقظتني من حديثي الصامت حين قالت كنائحة:" آه يا لحبيـــبة ديالي حبيبي و حبيبك حرگ"
كدت أضحك من النغمة التي نطقت بها الجملة، لكنني تماسكت فقد بدت صادقة في حزنها. بعد لحظات فهمت ما كانت تعنيه بذالك؛ ابنها قد هاجر سريا إلى ألمانيا. لم أدري كم من الوقت لازمني لأستوعب الأمر، و لأستوعب بأنها أرادت أن تصفي حسابها معي؛ كانت تلف و تدور في الكلام إلى أن قالت:" أنا مثل أمكِ، و يمكنكِ الوثوق بي؛ إذا ما حصل شيء ما بينك و بين ابني؛ أستطيع أن أسوي الأمر مع عائلتك بدون مشاكل."
جملتها كانت صفعة صاعقة فقلت:" ربما أنت لا تعرفينني جيدا، لكن الآن تأكدت بأنك لا تعرفين ابنك أيضا... نحن راشدان و نستطيع تحمل مسؤوليات أفعالنا"
ربما كلامي أراحها من بعض مخاوفها؛ فصمتت و كأنها تأخذ نفسا عميقا بعد جهد جهيد، ثم قالت:" لقد تركَ لكِ أغراض أتمنى أن تأخذيها إنها على سريره؛ اعذريني لا أحتمل الدخول لغرفته دون أن أبكي."
اتجهتُ صوب غرفته فتحت الباب؛ ولأنني لم أصدق بعد ما صرَّحت به أمه؛ تصورت أنني سأجده في غرفته ليقول بأنه؛ يستحيل أن يتنفس بعيدا عني، لكن الغرفة كانت ساكنة؛ كل شيء كما هو؛ حذائه البني خلف الباب، خزانة الكتب و المكتب و الأقلام كل شيء في مكانه؛ تذكرت كم كان يحب النظام و الترتيب، و كانت هذه أبرز نقط اختلافنا.
العود لازال معلق فوق سريره لطالما اجتهد في تعليمي، ليس لأعزف بل فقط لأنه يحب أن يراني محتضنة عوده، على ذات العود غنى نوبة من موسيقى الآلة من قدام الرصع في عيد ميلادي؛ لا زلت أذكر مقاطعها حتى الآن:
رأيت الهلال ووجه الحبيب
فكانا هلالين عند النظر
فلم أدر أيهما قــاتـلـــــي
هلال الدجى أم هلال البشر
فلولا التورد في الوجنتين
و ما راعني من سواد الشعر
لكنت أظن الهلال الحبيب
و كنت أظن الحبيب القمر
فذاك يغيب و ذا لا يغيب
و ما من يغيب كما من حضر

تقدمت نحو خزانة ملابسه لا زالت فيها بعض القطع؛ البذلة التي ارتداها أثناء مناقشته لرسالة الدكتوراه، لا زالت ترتعش وحيدة على حاملها. التريكو الأسود؛ أو ما سمته معلمة الابتدائي سريدة صوفية سوداء، لا زالت بعض رائحته تفوح منها؛ كان قد ارتدها أخر مرة؛ أي قبل يومين من رحيله، أخذتها و وضعتها بسرعة في حقيبتي. أغلقت الخزانة و اتجهت صوب السرير وجدت ما نعتته أمه:" أغرضا عليََّّ أخذها معي"؛ ديوان محمود درويش:" لا تعتذر عن شيء فعلته" كتب على ظهر غلافه:" ضفتي الوحيدة؛ اِنسي كل شيء، و تذكري دوما شيء واحد فقط؛ بأنني أحبكِ، و بأني أُخْفِي ذكراك في تجويف القلب، قد أكون رجلا أهبلا؛ حين تركت كنزي خلفي، لكنني حتما كنت الأكثر حظ حين عثرت عليكِ. سأركب مثن الموت وحدي؛ لعَلِيَّ أركب يوما ما مثن الحياة معكِ. أحبك جدا جدا."
بجانب الديوان وجدت حقيبة البيانو الذي كنا نعزف عليه؛ فتحتها و أزلت غطائه، ضغطت بإصبعي على نوتا واحدة؛ تذكرت بأنني لا أعزف سوى باليسرى، و أنه هو من كان يعزف باليمنى في حين كانت يسراه تمسك بيمناي.
لم أنتبه لشرودي إلا و أمه قد دخلت الغرفة؛ لتستعلم عن سبب تأخري؛ حين رأتني أُغلق البيانو، قالت:" لقد أوصاني بأن أعطيك البيانو و ذالك الكتاب."
وضعت الديوان في حقيبتي، و حملت البيانو و خرجنا. ودعتها على وعد بالاتصال لاحقا.
في طريقي للبيت كان سؤال واحد ينخرني:" من سَيُدَلِلُنِي و يمشط النجوم عن شعري كل ليلة؟"

الحديث مستمر مع ولد البلاد.

مبارك و مسعود عليكم سيدي فلانتين.

* منطقة بجنوب المغرب

32 commentaires:

Blogger أُكتب بالرصاص a dit...

جيت لاقول اني قرأته

ولكن راجع للتعليق

بس السلاح عند الميكانيكي بيتصلح
لما يرجع ..
هاكتب تعليقي..لاني بحاجة إلى استخدامه
:)

9:44 AM

 
Anonymous Minto a dit...

علاقات الحب... لكن لما عليه ان يترك كنزه خلفه ويحتفض فقط بدكراك في تجويف قلبه
اللعنة على السبب المؤدي الى جعله مجرد دكرى

10:48 AM

 
Blogger Mourai Radouane a dit...

voila qu'on entre dans le vif du sujet. une histoire d'amour ça tombre bien c'est sa fête en cette période.
et bien Oueld L'blad restera patient a attendre la fin de l'histoire.

11:10 AM

 
Blogger tazart a dit...

إلى أكتب بالرصاص
أيها الزائر العزيز
حتى لو اجتهد مكانيكيك في إصلاح سلاحك المهترئ بصدى الأيام الغابرة، فلن تستطيع هزم امرأة سلاحها كلمات تنشرها في الهواء تخطئ الأهداف أكثر مما تصيبها

11:57 AM

 
Blogger tazart a dit...

a minto
كل لحظة تمر هي مجرد ذكرى، و مهما حاولنا بث الروح فيها لن تعود بنفس الحرارة الأولى لدى من الأفضل التعامل مع الماضي على أنه ذكرى دون أن نزعجه بالرغبة في أن يصبح مضارعا لا فرق بينه و بين الماضي المبني على السكون سوى ياء المضارعة التي لا تغني عن شيء

12:01 PM

 
Blogger tazart a dit...

a mourai radouane
هل وافق الحب عيده، أم أن عيدالحب هو من صادف مروره موكب الحب؟؟
كل شيء ممكن

12:03 PM

 
Anonymous Minto a dit...

عزيزتي تزارت
لكن شتان بين لحظة نتدكرها ونحن مع من شاركنا اياها مع امكانية احيائها.. وبين دكرى وهو بعيد او متخل عنا وراءه..
تحياتي

12:26 PM

 
Anonymous Anima a dit...

لقد أيقظت الجرح الذي كنت أعتقد أنه شفي يا تزارت
ما نسمحش ليك بكيتيني في هاذ النهار
مبروك سيدنا فالنتاين

1:40 PM

 
Anonymous Fatim(ke tu connais) a dit...

Bonjour zine, a lalla Tazart, aymik ntalemrit (comme aimait m'appeler une amie),

Je fais une révérence très basse à ton style et surtout à ton imagination débordante.
L'arabe est une langue que j'aime beaucoup, et que j'aimerais maîtriser comme tu le fais.
je me répéterai si je te dis que c'est à chaque fois avec un plaisir divin que je lis tes écrits.
Merci de nous régaler.

Arkem soudengh

2:41 PM

 
Blogger Mourai Radouane a dit...

je vois que cette suite n'a pas fais que des heureux (anima matbkich).
et je suis d'accord en amour tout est possible le meilleur comme le pire

2:55 PM

 
Blogger anima a dit...

redouane mali goulti (anima ma tabkich) fakartini b une chanson kanesma3ha f les taxis bezzaf (ma tabkich wa gouli hada maktoubi) je c pas 3lach la plupart dial taxiate ki khadmouha hhhhhhhhh

3:20 PM

 
Blogger Mourai Radouane a dit...

moi aussi j'ai entendu ce genre de musique chez Lkhatafa. je ne sais pourquoi ils mettent ça mais ça m'amuse d'entendre chez un chauffeur des chansons de Rai mina daraja talita, le chaâbi le plus déprimant du monde et le comble l'aghani Hindya
Fekertini blmadi ljamil

4:28 PM

 
Anonymous sophia a dit...

tazart bekitini vraiment 9lebti 3lia lmawaji3 ... t'as raison minto la3na 3la men kan sbab ... c vraiment douleureux

6:47 PM

 
Anonymous BLUESMAN a dit...

سلام
اعتقد انك اقتنعت الان ان الاصعب هو البداية
اعلن رسميا تكفلي بنشر هذا النص ان اكتمل

9:36 PM

 
Anonymous amazigh a dit...

أيتها المسكونة بالحزن
فم الحصن ليس غير أطلال قد تزيدك كابة

2:25 AM

 
Blogger أُكتب بالرصاص a dit...

أي
في كلمة جات في عيني


عزيزتي تيزارت


كل عام وانت طايبة

مناسبة فلانتين داي

9:29 AM

 
Blogger tazart a dit...

a minto:
أوافقك الرأي؛ لكن ظروفنا أقوى منا، ما حيلة العاجز؛ سوى سلوى التذكر، و إن كان أليما؛ سوى إغماض الجفون عله ببصر داخل عيونه شبح شخص غائب و ترك رائحته على وسادته الشاغرة
تحياتي

11:15 AM

 
Blogger tazart a dit...

إلى أنيما

عبرت عليك
لا أحب أن أقاسي الألم وحدي، لدى ارتأيت أن يبكي العالم بأسره بدلا عني
و هذا يسمى في عرفنا شطارة

11:27 AM

 
Blogger tazart a dit...

فاتم لي سنح
مانزكمين آزين لييد يورين
مارحبا س أوجيك ن لوز إحد سرنغ يوكا
توتلايت نا موا أور يسين زين أستد أورجمع ربي
أركم تسودونغ غ كر والن

11:31 AM

 
Blogger tazart a dit...

إلى صوفيا

أرى أن مصانع كلنكس يجب أن تكافئني فقد رفعت من رقم مبيعاتها هذا الأسبوع

11:34 AM

 
Blogger tazart a dit...

إلى بلوزمان

لا أدري كيف سيكون شكل العالم بدونك

11:36 AM

 
Blogger tazart a dit...

إلى أمزيغ

هذا حال العالم و لن يكون فم لحسن بأسوء من غيره

11:39 AM

 
Blogger tazart a dit...

إلى أكتب بالرصاص
إن كتبت طايبة عن قصد؛ فأتمنى أن لا تحترق حبا طيلة هذه السنة، إنه سميع مجيب الدعاء

11:43 AM

 
Blogger tota a dit...

Tazart
لن ياخذنى عنك ابن البلاد بل شدنى اسلوبه
وانت يا بنت البلاد جذبنى حنانك وصدمتنى الاحداث
فمع صمت ابن البلاد استمعت اليكى وكأنى معك اشاركه العجب
امع الهروب يبقى الحب ؟ وبما يروى ؟ بدموع الهجر
وكيف سيستمر تاركا خلفه نوتة موسيقية وبيانو وام لا تعرف كيف يحب الابن
لا تصدمينى ان للحب عودة اخرى فيكفى الام الفراق ولا اظن تضمدها العودة

منتظرة الباقى يا بنت البلاد
تحياتى

9:44 PM

 
Blogger tazart a dit...

a tota:
تحياتي
أحييك، لأنك الوحيد التي التفتت إلى النوتة المتبقية؛ ربما هذا قدر الحب أو بالأحرى قدرنا معه

10:56 AM

 
Blogger أُكتب بالرصاص a dit...

طبعا عن قصد
:)

7:37 AM

 
Anonymous ميلود الشلح a dit...

الحب -يا أختي أعزك الله- وإن كان يملأ القلب بالسعادة إلا أنه قد يفيض الحياة بالتعاسة والشقاء ، ويقع المـحبّ تحت وطأة العذاب ، فمع سعادة اللقاء هناك عذاب الفراق والهجر..
كتاباتك رائعة أختي تزارت، أستمتع بقرائتها كثيرا.. فإلى الأمام ومزيدا من التألق والنجاح وتقبلي مني تحياتي الخالصة..

2:33 PM

 
Blogger tazart a dit...

إلى أكتب بالرصاص

هناك من يفضل أن يبقى نيئ مدى الحياة

11:02 AM

 
Blogger tazart a dit...

إلى ميلود الشلح
أهلا بمن يضئ المساء
أنا جد سعيدة بزيارتك
تحياتي

11:06 AM

 
Blogger anima a dit...

bante l7aj fine rak? t3atalti 3lina

11:38 AM

 
Blogger tazart a dit...

a anima
rah tran khssr bina, o hbtna ana o ould lbald kandf3oh..

11:44 AM

 
Blogger Mourai Radouane a dit...

le train a finalement repris sa route. rah jaebtlek rabybi bach terdi nefss raki aâyiti bdfiê train. maintenant que le train reprend Nouridou lmazid men hadith bent Lblad ellah yarham lwalidine.

11:58 AM

 

Enregistrer un commentaire

Abonnement Publier les commentaires [Atom]

<< Accueil