" أكتب كي أبعث الحياة في الناس و في الطبيعة و في الأشياء" محمد خير الدين

1.26.2007

مدينة النخيل*




حين تستقبل مدينة مراكش زائرها تهمس قائلة:" هل جئت لوحدك؟"
لم تتلقى الإجابة لأن زائرها لا يعرف أن الأماكن تتكلم، و كأنه لم يسمع الذي قال:"الأرض بتتكلم عربي و كمان أمزيغي ؛ عشان خطري" يغادر الزائر المحطة و يستقيل سيارة أجرة و من نافذتها يلمح نخلتين تدودان بجانب الطريق لم يصدق ما رأى، ولم يتعب خياله ليتصور ما كانتا تهمسان به
النخلة الأولى:" هل جاء وحده؟"
النخلة الثانية:" ربما؛ فهو لم يحضر سوى حقيبة ملابس واحدة و حقيبة مكتبية."
النخلة الأولى:"ربما هو جاء ليلتحق بامرأة قد سبقته إلى هنا؟"
النخلة الثانية:" لم تسبقه أية امرأة، لو كان الأمر كذالك لوجدها في انتظره في المحطة. الظاهر و الله تعالى أعلم، أنه زوفري من زوافريات هذه الأيام الذين يحبون السياحة في ظلال نخيل مدينتنا الوارف"
النخلة الأولى:" كفاك من سوء الظن بالعباد."
النخلة الثانية:" لم أسئ الظن لكنني أشفق على وحدته، كيف سيقضي شاب عطلته لوحده! إن الوحدة شيء مريع لا نستطيع إخفائه مهما ادعينا، و أحيانا يجتاحنا هذا الإحساس حتى حين نكون مع الناس، و اللغويون يقولون أن الوحدة صفة مفردة لا جمع لها، وبما أنها مفرد فهي تستوجب فرد واحد بحضوره تغيب و بغيابه تحضر، هل فهمتي يا عزيزتي؟"
النخلة الأولى:" أرى أن هذا الزائر قد سلبك عقلك، لماذا لا تلحقين به؛ فتؤنسين بثرثرتك هذه وحدته؟"
النخلة الثانية:" آه لو لم أكن نخلة! و لو لم تكن هذه الجذور تشدني إلى الأرض، لكنت لحقت به، ليس لأنه سلبني لبي و لكن فقط لأغيظك"
النخلة الأولى:"يا أيتها النخلة الهوجاء، تهتمين لزائر بالكاد لا نعرف قصته و لا ما الذي أتي به إلينا، ربما قد جاء لشراء الرياض المتبقي في المدينة، ربما هربا من الجوقة التي كانت منتصبة حوله، و جاء لينصت لعظامه كما يقال!!"
النخلة الثانية:" آه لو لم أكن نخلة!"
النخلة الأولى:" ماذا كنت ستفعلين؟"
النخلة الثانية:" ربما لا شيء، فقط كنا سننصت للعظام معا، سأمسك بيديه و نحن نتجول معا في دروب المدينة العتيقة لكي لا يتوه، و سنفني تعبنا في الساحة، كنت سأريح عينيه التي أنهكتهما شاشة الحاسوب و سأقرأ بدل عنهما؛ الرسائل و القصائد و الكتب و شريط الأنباء العاجلة، سأقرأ أسماء الشوارع و أرقام الحافلات سأقرأ له ما تنجمت به الأبراج...باختصار سأقرأ كل ما يكمن أن يقرأ، سننصت للموسيقى، وسأحكي له حكاية هذه المدينة، وربما سأمنعه من الرحيل مجددا، إذ أحسسنا بالملل من بعضنا البعض سنجرب الشجار؛ سنتشاجر من أجل قطعة سكر أخذتها بدون إذن من أمامه، أو لأنني أستعمل قلمه للف شعري، من يدر ما ستئول إليه الأحدث لا حقا "
النخلة الأولى:"هذا اسمه احتلال، و إزعاج سافر لسائح الأغر، و ضرب بتعليمات وزير السياحة. بالله عليك ماذا ستفعل عيناه اللتان عطلتيهما عن العمل؟"
النخلة الثانية:" لا شيء يمكن لهما أن تبقيا مغمضتين، أو تكتفيا بمشاهدتي"

النخلة الأولى
:" لقد رحل الزائر و نحن لازلنا نغتابه، ربما هو الآن قد وصل لمقر إقامته،
عله قد اشترى في الطريق طعامه، و وضعه في المطبخ، وقصد غرفة النوم ليخرج أغراضه من الحقيبة، و بعدها سيستحم قد يغني أثناء الاستحمام، سيجفف جسده بمنشفة بيضاء سيستخدمها هي ذاتها ليجفف شعره المجعد، سيلف عليه المنشفة، بعدها سيتفقد طعامه، قبل ذالك سيتلقى اتصالا بعده سيجري اتصالا، بين الاتصال و الاتصال كان يضحك. سيأكل شيء، سيقرأ كومة الجرائد التي أحضرها معه و التي ألقى بها على طاولة الطعام عند دخوله للبيت، سيتجول في البيت، سيتفقد التلفاز سيتأمل الشارع من نافذته قليلا، وحين يحل المساء سيخرج ليتجول في المدينة، سيقصد ساحة جامع الفنا المكتظة؛ سيحاول الإنصات للأصوات، و لصمت، و لذاته. سيشم عبق الساحة الممزوج برائحة الشواء؛ حيث سيتناول طعام العشاء سيعود متأخرا للبيت، هل تكفيك هذه التفاصيل أم أزيدك؟"
النخلة الثانية:" من أين عرفت كل هذا؟ هل تعرفين ذاك الزائر؟"
النخلة الأولى:"لا أعرفه لقد رأيت مثل ذالك يحدث في السينما."
النخلة الثانية:" نخلة متعجرفة كاذبة، من أين للنخلة أن تذهب إلى السينما، لما لم تختارين كذبة يمكن أن تنطلي على الصبيان."
النخلة الأولى:" أنت الكاذبة؛ منذ البداية و أنت تشنفين آذاني بغزعبلاتك، كلما مر زائر لا تتوقفين عن نسج حكاية له، و أنا أتحامل صابرة عليك، حفاظا على صداقتنا. من تظنين نفسك أيتها النخلة المعقدة، إذا لم تزوري السينما في حياتك فلا تحسبي الناس جهالة مثلك."
النخلة الثانية:" أنا جاهلة؟" قالت ذالك بغضب وحنق شديدين، وانقضَّت على النخلة الأولى تمزق جريدها.
باتتا النخلتين في شجار وعراك حتى سقطتا أرضا وسط الشارع.
في الصباح أذاعت الإذاعة الجهوية أنه قد تم إغلاق الشارع المؤدي إلى محطة المدينة، لأن النخلتين قد اجتثتهما أيدي مجهولة ليلا و ألقت بهما وسط الطريق، و لسلامة المواطنين تقرر إغلاق الطريق حتى يتم إزالتهما.
بعد قرابة أربعة أيام، مر الزائر من ذات الشارع قاصدا المحطة، لم ينتبه لغياب النخلتين اللتان استقبالاته، السائق وحده نظر إلى المكان الفارغ و علق:" أشياء كثير لا ننتبه لحضورها، لكننا نفتقدها حينما تغيب."

--
* سبق أن نشرتها في مكان آخر، لا أدري ما الذي ذكرني بها الآن!

19 commentaires:

Blogger Mourai Radouane a dit...

أشياء كثير لا ننتبه لحضورها، لكننا نفتقدها حينما تغيب."

ça c'est qu'on y prête attention sinon beaucoup de choses, de personnes, d'événements vont et viennent sans qu'on s'en rendent compte. on n'y peut rien l'être humain est comme ça.

2:31 PM

 
Blogger tota a dit...

tazart
حديث النخل هو حديث العزلة والملل فلو انتبه احد لوجودهم يوما ما كان اصابهم السقم وتناثرت اشلاؤهم على الطريق فى محاولة لانهاء الشعور بالعزلة
ان نسيج الروايات المتكرر بينهم هو الوسيلة الوحيدة التى تجعلهم يشاركون العالم وان كان العالم لا يشاركهم ولا حتى يعى وجودهم

لا ادرى لماذا تذكرت الان قصة قصيرة نهايتها حكمة تقول لنقل لمن احببنا كم نحبهم قبل ان تنقضى الايام ولا نراهم ويحزننا حتى اننا لم نقل لهم فى حياتهم كم احببناهم

تحياتى

3:52 PM

 
Anonymous BLUESMAN a dit...

سلام
عندما تعرفين سبب تذكرك للنص اخبرينا
هل ادخلت تغييرات على النص الاصلي

9:54 PM

 
Blogger مـحـمـد مـفـيـد a dit...

رائعه جدا جدا

11:14 PM

 
Blogger Amud o'awal a dit...


الوحدة مفرد تستوجب فرداً بحضوره تغيب وبغيابه تحضر"
"أشياء كثيرة لا ننتبه لحضورها، لكننا نفتقدها حينما تغيب"
من أين لك كل هذا؟
لكِ ما لكِ، وعليكِ ما عليكِ : أن تُدافِعي عن حقِّ النّخلة
في النظر إلى السواح والعابرين
وأن تقرإي أسماء الشوارع و أرقام الحافلات
وما تنجمت به الأبراج
وأن تُزوِّدي البديهة بوثائقَ كهاته وبما يكفيها
من محاريثَ خشبية، وجدائلَ من فلفل، وجِرارٍ من فخّار، وزيتٍ
يُضيءُ وإن لم تمسَسهُ نار، نورٌ على نور

آهٍ لو لم أكن نهراً ! و لو لم تكن هذه الضفّة تشدني إلى الأرض، لكنت لحقت بك
أتفرّجُ على العالمِ وهو يولَدُ تدريجياً من كلماتِك، أُحِسُّ بجُرحكِ وأتسائل .. لِمَ تكتُبين؟ ألِتُعوّدي الألَمَ على رائحةِ البصل. وأقول : إذا لم تُخطئي في كتابةِ كلمة نهر، فسيجري النّهر الوحدويُّ الضفّة في دفترك

وأتذكّرُ أنّني كتبتُ شيئاً من هذا القبيل في مايو ٢٠٠٥ http://nonlieux.blogspot.com/2005/05/amandiers-en-fleur.html كنتُ أسميته زهر اللوز
وأتذكّر أنَّ محمود درويش أصدرَ ديواناً في سبتمبر ٢٠٠٥ أسماهُ كزهر اللوز أو أبعد

عندها أقول : من المدونات حسبي كلمة حبٍّ من تزارت لمن تُحب، ومن الغيابِ حسبي الله ونِعم الوكيل

لام سين

2:44 AM

 
Anonymous Anima a dit...

yakma ana wa nti hado? :)

12:40 PM

 
Blogger tazart a dit...

A Mourai radoune

Si on y ne fais pas attention à nous même comment on va le faire au autres .. !

7:45 PM

 
Blogger tazart a dit...

a tota
ما أروعك حين تفهمين بعمق ما أعنيه
و ليثني كنت قادرة على العمل بحمتك ليث جهلي يقبل نور الحكمة

7:47 PM

 
Blogger tazart a dit...

A bluesman :

لقد مر الخريف فارغا باردا فلم يسعني سوى تذكر الصيف.. آه كم كان.. أتذكر و أتذكر. أتذكر الطابق الرابع الجناح ألف، الغرفة2 من المستشفى، السرير الأيمن، حيث كان يزورني صوت كل ليلة، لا لشيء سوى ليحدثني عن أي شيء و عن كل شيء، و ليدعو لي سرا بالبقاء على قيد الحياة.
أتذكر و أتذكر، أنني بمجرد أن سُمِح لي بمغادرة غرفة الإنعاش؛ نزلت الطوابق الأربعة و أنا شبه مترنحة، و وجهي المتعرق يشبه الأموات أكثر من ما يشبه الأحياء، لم أنزل السلام مشيا في حياتي حتى يومها، كان أول مرة أحس بأن صعود السلالم عمل جبار، نزلتها لأخبر ذالك الصوت بأنه يمكنه الاتصال بي لأنني على قيد الحياة.
أتذكر و أتذكر، أتذكر بأن أبي لم يزرني و لم يتصل بي أبد و أنا هناك، و لم يتمنى لي شيء، أتذكر أنني لم أتلقى أزهار و لا شكلاط و لا أي شيء لأنني على قيد الحياة، وحده ذالك الصوت الآتي من حيث لا أدري؛ يصر على أنني الأهم في الوجود، كنت غارقة في يأسي، أسترجع سنين عمري أُسَائلها و أحفر فيها عن جريمة تستحق أن أندم عليها، كان لله ألف تجلي و تجلي و أنا أرتعد من البرد في غرفة العمليات و أهذي بأسماء الموتى، كنت فعلا خارج الجسد، أحاول لمس أي شيء ليؤكد وجودي و لو مجازا
وحده ذالك الصوت هو ما حرضني على البقاء، و أوصني بأن أكل جيد و أتغطى جيدا وأن أنام جيد، و تكهن بأنني سأصبح روائية يوما ما، كنت أغفو و أصحو و أغفو بفعل التخدير و أجده لازال يكلمني. حين عدت للبيت نسيت إلى أي جهة يجب أن أدير المفتاح و أخبرته مفزوعة بأن الباب لا يفتح.. كانت معجزة أن أصل إلى غرفتي بالطابق الثالث و أن أحمل كوبا دون أن ترتجف يدي..عزيزي بلوزمان كان الأجدى بك أن تسألني هل نسيت السبب لا هل أتذكر السبب!

7:47 PM

 
Blogger tazart a dit...

إلى محمد مفيد

زيارتك هي الأروع

7:48 PM

 
Blogger tazart a dit...

إلى :أمود و وال

وحده النهر الهادر من يستطيع أن يجرفني بكل شوائبي إلى بعيد
و ما النهر.. إلا رجل به جنة، فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا... و إن كان كبر عليك إعراضهم؛ فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض، أو سلما في السماء فلتأتيهم بأية... فلا تميل كل الميل فتذروها كالمعلقة..
تسألني لما تكتبين!
سألهتم فيما سبق لما تصطادون السنجاب و تحشون جلوده بالتبن بعد أن تملحوه؛ ليلعب به صبيانكم و لتزينوا به عبثا بيوتكم؟
قالوا:" لأننا نحبه، و نريد أن نحتفظ به إلى الأبد"
أيها السنجاب، لو لم تكن سريع اختباء؛ تظهر لتختفي و تختفي لتظهر، و لو لم تكن ناعم الملمس ما كانوا أحبوك. و لو لم تكن تطل عليهم بين فجوات أيامهم ما كانوا آثروك على كل ما يمشي أو يزحف على بطنه.
إن كان الناس يكتبون ليتذكروا فأنا لست مثلهم و لا أحاول و لا أحب أن أكون مثلهم. ربما أكتب لأنسى أو على الأصح لأتناسى؛ لأن التذكر هو أكثر ما يزعجني، ليث ذاكرتي كانت نسيا منسيا في بعض التفاصيل التي تشدني كخيط أريان للامكان، و لا تسلل على أطراف أصابعها كل ليلة لتؤرقني دون باقي خلق الله.

7:48 PM

 
Blogger tazart a dit...

إلى أنيما

لا هدوك راه نتي و مشيشة
أنا هو مول التاكسي،
إيوا إيلا قلعتي شكون هو الزائر؟

7:49 PM

 
Blogger أُكتب بالرصاص a dit...

تيزارت
كأننك تتحدثين عني!!

انا فعلا لاحظت النخلتين خارج محطة قطار مراكش ،
ولكني اختلف معك في بعض النقاط...فليس الاماكن وحدها التي تتكلم في مراكس... تتصوري..لقد وجدت أناس يتكلمون
كما اختلف معك في نقطة الشعر المجعد : )
كما اختلف في نقطة الارض بتتكلم امازيغي.....لا معلهش... بلاش تزييف للحقائق التاريخية
كما اختلف معك في نوع الخط ...
جئت لأختلف
والاختلاف في البط لا يفسد للوز قضية

تحياتي

6:58 AM

 
Blogger tazart a dit...

عن أية حقيقة تاريخية تتحدث، و هل كتبة التاريخ أمناء؟ ألم تتسأل يوما من يملي التاريخ على من؟؟
جئت بنية مسبقة للإختلاف لا لنقاش و من ثمة لا مكان للجدال هنا

12:08 PM

 
Anonymous حامل المسك a dit...

حديث شيق وجميل
ومن حظنا انك اعدة كتابته
شكرا لك
كون بخير

4:24 PM

 
Blogger أُكتب بالرصاص a dit...

إذا كان هناك رأي لا يعجبني ..فلابد ان اختلف معه


إذن الاختلاف مكتوب علي في هذه المدونة

ولابد من تصحيح الاخطاء التاريخية
والتاكيد على الصياغة السليمة للتاريخ

نسيت اختلف في شيء اخر
من قال ان المدينة الحمراء هي مدينة النخيل؟؟
علشان تلات اربع نخلات ....خلاص سميتها مدينة النخيل ؟!!!!
عجبي

6:02 AM

 
Blogger tazart a dit...

إلى: حامل المسك

شكرا لزيارتك

10:52 AM

 
Blogger tazart a dit...

إلى أكتب بالرصاص
إذا استمررت في استفزازي، سأخبر المدام عن سبب زيارتك لمركش
سأخبرها أن عبارة الشعر المجعد لم يكن وصفا حقيقيا لشعر الزائر، إنما كان من أجل التمويه وإبعادا لشبهة عن هوية الزائر

11:00 AM

 
Blogger أُكتب بالرصاص a dit...

مش احنا اللي نخاف....
كل شيء عندنا على المكشووووف

ولذلك ..سأطلق العنان للساني....

واقول الحق ولو على رقبة ....
طبعا مش رقبتي...
رقبة اي حد تاني


ثم انه لا داعي للاستفزاز

الحق لا يستفز احد
إلا
منكري الحق

9:48 AM

 

Enregistrer un commentaire

Abonnement Publier les commentaires [Atom]

<< Accueil