" أكتب كي أبعث الحياة في الناس و في الطبيعة و في الأشياء" محمد خير الدين

11.29.2006

الوطن الموبوء/2



بنهاية الأسبوعين انتهت عطلت ابنيه، فعاد مصطفى المانوزي إلى مراكش ليقيلاهما إلى المطار ليلحقا بطائرتيهما نحو جنيف.
حين كان يقود سيارته وحيدا عائدا من المطار، لمح امرأة واقفة على الرصيف، كانت تستظل بظل لافتة كتب في إحدى جهاتها:" مدينة مراكش ترحب بكم" و في جهتها الثانية:" مدينة مراكش تشكركم على الزيارة"، ابتسم مصطفى محدثا نفسه:" شكرا أيتها المدينة على الترحاب!".
توقف بجانب الطريق؛ و أخرج رأسه من نافدة السيارة مخاطبا المرأة قائلا:"ما أقسى قلوب من مروا هنا، وتركوا الجمال يذوب تحت الشمس؟"
ما إن أتم جملته حتى كانت المرأة بداخل السيارة، نظر إليها؛ وجه مدور شديدي البياض لكثرة كريم الأساس الموضع عليه، وعينين عسليتين ضيقتين لكن الحكل زاد من حجم اتساعهما، و شعر أسود فاتح مربوط، به خصلات مسبوغة بالأحمر الأرجواني تتدل على الجبهة العريضة، ابتسمت فظهرت أسنانها الصغيرة المفلجة، جسدها كان يميل إلى الامتلاء و القصر؛ كانت مقبولة الشكل باستثناء حركاتها المبتذلة.
انطلق بالسيارة في اتجاه المدينة و سألها:" ما اسمك؟"
قالت:" ليس مهما."
قال:" و ما هو المهم يا صاحبة الصدر النافر؟"
قالت:" أجري مئتا درهم مدفوعة مسبقا"
اشتط مصطفى غضبا وقال، و هو يأخذ نفسا من سيجارته و يلوح بيديه:" هل قرأت عبارة غبي على جبيني، أم حسبت أنني نزلت من الجبل، أم أن لوحة السيارة خدعتك. أعرف أن العهر لا يتجاوز ثمنه عشرون درهما! أم أنكن أغلى من كالبنزين؟!"
قالت" باقي ما درنا فالطاجين ما يتحرق؛ إن لم يعجبك الثمن فدعني أذهب."
قهقه مصطفى:" اهاه علاه دخول الحمام بحال خروجو."
صمتا و كأن كل منهما يفكر في شيء ما.
مد مصطفى يده إليها يتحسس ساقها، وعينيه على الطريق، و كأنه يعرف مسبقا خارطة جسدها، لم تتحرك و لم تبدي أية مقاومة، لكنها عادت لتجادله في الثمن. لم يرد عليها مصطفى ضل منتبها إلى القيادة و إلى ساقها. أصرت على أن يدفع لها أولا.
أجابها قائلا:" لا تخافي لن أهرب، سأدفع لك بعد أن أقوم بالفحص التقني، الجودة هي التي تحدد الثمن."
قالت:" حاضر"
و بدت و كأنها تنوي نزع جلبابها الأسود، من فتحت الجيب تبين لمصطفى أنها لا ترتدي شيء أسفلها، فقال لها:" اهدئي البوليس في الطريق."
قالت:" ما دخل البوليس بنا، هم يؤدون عملهم، و أنا أودي عملي."
قهقه مصطفى ضاحكا و أضاف:" العمل عبادة."
صوت الحاج بلعيد الخافت بدا و كأن الوهن قد أصاب حباله الصوتية، و يبدو أن المرأة لم تستسغه منذ البداية، فقالت بعد نفاذ صبرها:" أليس لديك شريط يستحق أن نستمع له"
سأل متهكما:" لدي أشرطة عبد الباسط عبد الصمد هل تستمعين له، أم أنه لا يتفق مع ذوقك؟"
لم تجب و أشاحت بوجهها إلى النافدة. قال بصوت منخفض و كأنه رغب في الاعتذار:" الأشرطة أسفل مقعدك."
فتحت حقيبة الشرائط و جدت بها ثلاث صفوف أشرطة؛ لموزارت، لأستور بيزولا، لفيروز، لمرسيل خليفة، لشاب حسني، لإيزنزارن والشعبي، و مجموعة أشرطة فيديو كتب عليها عائلة المانوزي.
اختارت شريطا و وضعته في الجهاز، ثم مدت يدها إليه وبدأت تضغط على ساقه، شرعت في فك أزراره.
أبعد يديها قليلا، و قال:" إن الجنس و الهاتف النقال ممنوعان أثناء القيادة."
هزت كتفها وقالت:" كما تريد"
أشعل سيجارة و قال:" هل تعرفين أنه بسب الباغيات تنتعش السياحة في البلاد، وهذا ما سيسهل على الدويري جلب عشرة ملايين سائح!"
ضحكت للأول مرة قائلة:" إذا على وزارة السياحة أن تخصص لنا رواتب شهرية."
قال و قد رفع شفتيه متعجبا:" أنت مومس استثنائية، إذ ينذر أن تكن ذكيات."
قالت بصوت ناقم:" عملنا لا يحتاج إلى الذكاء"
قال:" و لما يحتاج؟"
قالت:" حين تدفع أخبرك."
كانا قد و صلا إلى وسط المدينة، نزل أمام صيدلية اشترى شيء لم تعرف ما هو إلا فيما بعد.
قصد بها إقامة كتب عليها:" إقامة السعادة"، فتح باب المأرب، و ركن السيارة، و صعدا من سلم مظلم، فتح باب الشقة الخشبي الذي عُلق عليه كف نحاسي، قادها إلى غرفة النوم الواقعة أخر دهليز به غرفتان قد بعثرت الملابس و الحقائب فيهما. فتح الباب الثاني لغرفة النوم المفضي إلى شرفة واسعة بها بعض شتائل الورد الأحمر، و آلة تصبين بنية قد تأكل بعض طلائها. بالإضافة إلى مائدة وثلاث كراسي، غالب الظن أنهم كانوا يتناولون طعامهم على الشرفة.
مكثوا في تلك الغرفة، التي احتقنت برائحة السجائر و تعرق الجسدين، مكثوا زهاء ساعة...
بعدها، شُهِـدت المرأة و هي تجتاز بوابة إقامة السعادة لوحدها، و تعدل جلبابها الأسود و هي تدس أوراق نقدية تحمل رمز الأورو في مكان ما من صدرها، حين تخطت الشارع التفتت إلى الوراء و إلى يافطة الإقامة تحديدا، و تحاشت رفع بصرها إلى الشرفة التي كان يقف فيها مصطفى المانوزي يرشف كأس شاي و يدخن، ويتأملها وهي تعبر الشارع، و تستقيل سيارة أجرة و تختفي.

يتبع

11.25.2006

الوطن الموبوء




تدخل سيارة رمادية من نوع رونو، المؤشرة من سويسرا ميناء طنجة. قدَّم العائد للجمركي جوازا كتب عليه مصطفى المانوزي.
بالمقاعد الخلفية لسيارة كان يجلس ولدان متفاوتان في العمر؛ أكبرهما كان يرتدي نظارات طبية و شعره البني يلامس أكتافه الصغيرة؛ نظراته الهادئة توحي بنضج مبكر، رغم أنه لم يتجاوز بعد عتبة المرهقة.
الطفل الأصغر له شعر أسود تنسدل بعض خصلاته الناعمة على عينيه السوداويين، الواسعتين المتألقتين، اللتان تحملان نظرات فضولية لما يجري بالميناء.
قدم مصطفى المانوزي بطاقة هوية طفليه الملحقة بجواز سفره.
من الصورة تأكد الجمركي أن أكبر الأبناء اسمه" يوف إيثري" ("أجمل من النجم") أما الأصغر فكتب أسفل صورته "يوف أيور" ("أجمل من القمر").
أعاد الجمركي الجواز، و أوراق حيازة السيارة و بطاقة هوية الأطفال لمصطفى المانوزي، وعلق على تسميات الطفلين التي لم يفهم معناها قائلا:" لو كنت تسكن هنا لما سمحوا لك بتسمية ابنيك بهذين الاسمين الغريبة!"
ابتسم مصطفى المانوزي مستغربا، و قال و هو يعيد أوراقه إلى محفظته:" لهذا لم أبقى هنا!"
ظلا الطفلان يراقبان حركات الجمركي و كلامه مع أبيهما. و بين الفينة و الأخرى كان أصغر الأبناء يخرج رأسه من النافدة و يحملق في الجمركي الذي كان يفتش أمتعتهم.
صوت الرايس الحاج بلعيد* المنبعث من السيارة، يقاوم هدير المحرك، وكذا حركات الطفلين، لازمة الأغنية كانت تقول:
" إيستارا أوضار إينو بناقسي ( كفى رجلي تجولا)
أوراح إيضفر الغرض أولوين(قد استنفذت الرغبة في الترحال).
ما إن اجتاز مصطفى المانوزي طابور الجمارك حتى لمح لافتة كتب عليها:" مرحبا بكم في وطنكم"، تنفس الصعداء، ملأ رئتيه بالهواء، تساءل؛ آلا زالت رئتاه تتذكر هواء وطنه رغم تلوثها بنيكوتين السجائر و برطوبة جنيف؟
قاد سيارته في اتجاه أكادير، أحس بلهيب الشمس تلفح إيهاب يديه.
لم يتوقف كثير اللهم لأكل أو ليدخن بعيدا عن عيون ولديه. لولا الاضطرار لما توقف أصلا، فهو يحس بأن الصحراء تناديه، و طالما لم يصل بعد إلى الجنوب فهو لم يصل للمغرب بعد؛ فتمزيرت كلفظة أمزيغية التي تعني الأرض و الوطن هي اصطلاح لمسقط الرأس بالضرورة. و من ثمة فوطنه هو"توف العز" بقبائل أيت عبد الله، بإقليم تارودانت.
تذكر مصطفى المانوزي دوار "توف العز" حيث قضى طفولته الأولى، فهناك رأى القمر و النجوم للأول مرة، هناك أصابته أول لسعة عقرب قبل أن يتعلم كيف يحنطه في محلول مشتق من البنزين.
هناك تذوق المريس( خليط دقيق الشعير المحمص و اللبن) و بداز المحترق، و خبز إنكان.
مصطفى المانوزي يعتبر"توف العز" مغربه، و كره كثير تصنيف الحسن الثاني له ضمن المغرب الغير النافع أو بلاد السيبة، النعت الذي جعل الحاج محمد؛ أب مصطفى، يرحل منه هو وعائلته؛ فهو لن يبقى في منطقة يكرهاه مولاي الحسن، حتى و إن تجذرت جذوره هناك. فالبربر أوفياء يتبعون ملكهم حتى إلى قاع جهنم.
رحل الحاج محمد المانوزي من "توف العز" نحو المغرب النافع، وتحديدا بالقرب من الجرف الأصفر. حيث سيدرس مصطفى، و سيتحدث لأول مرة العربية، و يكتسب مع الوقت لكنة عروبية، تبعد شبهة تشلحية عنه. فقد كان لقب "الشلح" من النعوت القبيحة في ذالك الزمان.
صرامة الحاج محمد المانوزي كان لها الفضل في تفوق ابنه البكر دراسيا، و بالمقابل حرمت مصطفى من أن يعيش عبثية الطفولة.
لكن على كلا فتفوقه في الدراسة، و منحة مكتب الشريف للفوسفاط، مكناته من الالتحاق بأعرق جامعات أوربا.
ككل المنحدرين من بلاد متخلفة، كان يسيطر على مصطفى وهم قائل بأن الأشياء تحدث بعيدا عن بلاده في مكان آخر ربما في لندن أو جنيف أو باريس...
حين قصد مصطفى أوربا لأول مرة، كان يحمل معه كل عبق سوس الممزوج برائحة الفوسفاط، يحمل معه ستون حزبا حفظها في تمزكيدا(المسجد)، مع الأربعين النووية، وشيء يسير من ألفية ابن مالك في النحو، ككل ءيمحضارن (طلبة العلم الشرعي) بسوس.
إلى غربة أوربا حمل معه دعاء أمه لالة فاضمة؛ بالتوفيق و الحفظ الإلهي من شر إيرومين(النصارى) دعاء مزجته بدموعها و هي تودعه.
حمل أيضا وصايا الأب، و دليل الخيرات للجزولي؛ الكتاب الذي يتبرك البربر حتى بمجرد حمله.
جدته لأمه أهدته قبل رحيله؛ كيس به حفنة من تربة"توف العز"، و نظرت إلى عينيه و قالت بصوت جلجلته الشيخوخة:"نحن لم نسكن عبثا أرض"توف العز"و لم نسميها كذالك اعتباطا."
قبل أن يركب طائرته الأولى؛ علقوا له حرزا؛ به آية الكرسي كتبت بالسمح، و قطعة كبريت، و ريال حسني فضي، غُلف الحرز بصفيحة نحاسية؛ اعتقدوا بأنه سيحميه من العين، و سيعيده إليهم سالما غانما بإذن الواحد الأحد.
حين يعيد الآن مصطفى شريط أيامه؛ يتذكر سذاجة ذاك الشلح "البوجادي" حين وطئت قدماه أول مرة باريس؛ جاء بظلاميته إلى مدينة الأنوار. جاء بغيبيات دينه إلى مدينة لائكية. حمل شظف و ارتجالية المدارس العتيقة ليتخصص في الإبستومولوجيا، ترك دفئ حضن أمه فغدا وحيدا في مدينة الضباب.
بعد أزيد من عشرين سنة من ذالك اليوم البعيد، القريب من ذاكرة مصطفى المانوزي، صار يعتقد أن باريس أولا و جنيف ثانيا، قد أعطتاه الكثير؛ فهما من جعلتاه يتحرر من قيود مجتمعه ذوا البنية التقليدية العقيمة، هما من علمتاه كيف يعيش متع الحياة بلا حدود، علمتاه أن الندم لا يحالف الحياة، أنضجتا علاقته بالمرأة، و أعطتاه الفرصة لتنفتح ثقافته أوسع من دوار "توف العز" و جدلية المغرب النافع و الغير النافع.
باريس تنشر رذاذها على كل ذاكرة مصطفى، ففيها التقى بفردريك المرأة التي أحبها بجنون. ما أروع جنوب باريس حين كانت فريدريك معه؛ في جنبات قصر الملك ماجورك غازلها، و في ساحة الكاتدرائية قبًّلها، وفي متحف "هيسن ـ ركو"داعبها، ونقوش المعمار الكتلاني الذي يذكر بالعهد الإسباني كان يؤجج فيهما ألف رغبة جامحة.
صمد حبهما لأزيد من سبعة عشر سنة؛ و حين مل انسل راحلا ذات صباح، بعد أن صار جسد فريديريك؛ الذي أوى ذات يوما ذالك البربري الشريد؛ صار هو الأخر غربة و منفى تصرخان بشاسعة الفوارق بينهما.
بعد طلاقه أصبح مصطفى يعود كل صيف إلى المغرب مع طفليه.
هذه السنة، قضى مصطفى الأسبوعين الأولين من عطلته الصيفية رفقة ابنيه " يوف يثري" و "يوف أيور"بين الزيارات العائلية و السياحة المحضة في كل من أكادير و مراكش و الصويرة، و أسفي.
اِمتنع عن التدخين، و عن لقاء النساء، و كرس كل وقته لطفليه.
على شاطئ أكادير تراءت له امرأة كانت تنصب مضلتها على مقربة منه، كانت ترتدي ميو أزرق داكن، و تقرأ في كتاب بعد أن دقق نظره في حروفه الاثينية وجد أنه لإمين كوي. تأمل الجسد المنشور تحت الشمس. تعجب أن تكون هذه بنت بلاده؛ لقد كان يعتقد أن نساء بلاده مجرد جاهلات يحددنا إقامتهن في أربعة أمتار من الثوب، نساء مزوشيات؛ نساء وهبن حريتهن قربان لرجال.
أجساد تشبه المكان؛ دافئة كحرارة الجو، لكن تعيش تقشفا و قحطا في الحب، كأرض سوس التي أنهكتها سنوات الجفاف.
أجساد تتعالى على الرغبة فكثر الزّهاد و ءيهياضن بسوس.
نساء يستغنين بالكحل عن أغلب المساحيق، ربما ليبرزن شيء يخفينه في عيونهن، تخرس ألسنتهن عن البوح به.
ظل مصطفى يتأمل تلك المرأة صاحبة الميو الأزرق، كانت أروع من على الشاطئ، كانت تسبح و تتشمس و تقرأ.
غرق مصطفى في استهامته التي حاول إخفاءها عن طفليه اللذان يلعبان بجواره، فهو حريص على أن يكون نموذجا لهما.
قبل مغادرة الشاطئ، ألقى مصطفى نظرة أخيرة على تلك المرأة التي لا يبدو عليها حتى أنها لاحظت شغفه، لقد بدت و كأنها منفصلة عن هذا العالم غير آبهة لما يدور حولها، و كأن لا أحد سوها بالشاطئ، وحده جسدها البرونزي الذي يلمع تحت الأشعة، يوحي بالحياة.
كتم مصطفى المانوزي حنينه لحريم بلاده، و إن كانت عيناه لا تكفان عن
ملاحقتهن في الشارع، لقد مكنته الإشارات الحمراء حين يتوقف بسيارته أن يتتبع الراجلات؛ أجساد ممتلئ، وبطون مثنية و نهود شاهقة، و أخرى نحيفة ممشوقة و كأنها نحث في عود العرعار.
صوت الحاج بلعيد وحده يؤكد له عبثية التفكير في لمس تلك الأجساد العابرة، يصدح قائلا؛ و كأنه اختبر إحساس مصطفى؛
مقار تلا توگ أر أفود(حتى و إن نمى العشب إلى الركب)
ءيلين ءيزمارن( وكانت الخرفان جائعة)
ءا لعزيب ءورك ياد لكمغ(أنا عاجز عن الوصول إليك أيها المرعى)
يتبع.
---
*مغني سوسي من منطقة "ويجان" جنوب شرق مدينة تزنيت، توفي لأزيد من نصف قرن

11.21.2006

اللقاء الثاني مع الإسلاميين القادمين





يُرجع أغلب المهتمين برصد نشؤ الحركة الإسلامية في المغرب إلى عقد السبعينيات.
و بالضبط 1969 سنة تأسيس حركة الشبيبة الإسلامية، و التي استطاعت أن تستقطب شريحة من الشباب، و تحصل على تأيد المخزن الذي كان في صراع مرير مع أحزاب اليسار، و متخوف منها خصوصا بعد نجاح المد القومي الناصري و اليسار الثوري في العالم، وانتقال العدوى إلى جيران المغرب؛ الجزائر(بومدين)، و ليبيا(القذافي)، و تونس(بورقبة).
فزرع المخزن الحركة لإسلامية؛ لتقضي على اليسار دون أن يتورط هو بذالك و أوهمها بأنهم أعداء الدين قبل أن يكونوا أعداءه، و انشغل اليسار بصراعه مع الإسلاميين عن محاسبة القصر.
أفتح قوسا لأقول:أن المخزن المغربي ربما قد استفاد من خطة الإمبرياليين في حربهم على الشيوعية، حيث قامت الولايات المتحدة الأمريكية بتمويل العربية السعودية لترسل شبابها ليحاربوا الإلحاد في أفغانستان، هل كانت أمريكا مهتمة كثيرا بالدين و بالإسلام خصوصا! نفس الشيء يصح على المخزن المغربي.
بعد مرور عقود على إرسال الطلبة الإسلاميين إلى معقل العلم الأحمر تلقت أمريكا هدية منهم بتاريخ 11 سبتمبر2001. و تأخرت الهدية في وصولها إلى المغرب إلى غاية 16 ماي2003.
أغلق القوس لأعود إلى فترة السبعينيات التي شهدت حصار شامل على قوى اليسار، حيث تم في 1970 إغلاق معهد العلوم الاجتماعية بالرباط، بدعوى أن أغلب أطر اليسار المتخرجة منه تشكل تهديدا على الدولة، و انحصر تدريس شعبة الفلسفة و علم النفس و علم الاجتماع بكلية الرباط و فاس فقط. و بالمقابل صارت شعبة الدراسات الإسلامية في أغلب كليات الآداب بالمملكة، و أعيد الاعتبار للتعليم الأصيل داخل المدارس العتيقة و بالقروين و بدار الحديث الحسنية. و جل هذه المؤسسات لم تكن تروم إنتاج علماء أو فقهاء فحسب بل كانت تهدف بالأساس إلى إنتاج كوادر تدافع عن مشروعية السلطان و عن التدين الرسمي و لتستخدم كفزاعات في وجه الخوارج. بجانب تشجيع هذا النوع من التدين المرضي عنه شجعت الدولة أيضا التدين الطرقي فحصلت الزوايا بذالك على هبات و ذبائح و منح ملكية خلال مواسمها السنوية، و صُرف لنقباء و لشرفاء منهم معاشات شهرية، وهذا الرضا لم يشمل سوى الزوايا الموالية للقصر، و التي تساهم في تعبئة الجماهير و حشد التأييد لصالحه.
و سوء صح أن الحركة الإسلامية ولدت في رحم المخزن أم لا، فقد استطاعت أن تصنع من نفسها قوة صعُب إلغاؤها من أجندة المخزن فيما بعد، و دخلت هي الأخرى في منافسة مع القصر على السلطة و على المشروعية الدينية، لكن المخزن العتيد استغل حادثة اغتيال الصحفي و النقابي عمر بن جلون على يد الشبيبة الإسلامية برئاسة عبد الكريم مطيع الذي فر من المغرب مباشرة بعد الحادثة و صدور حكم الإعدام في حقه.و بذالك ألغيت حركة الشبيبة الإسلامية على الأقل على مستوى الأوراق الرسمية.
و قد تأرجحت أسباب اغتيال بن جلون بين قائلا بأن الجماعة كانت مجرد لعبة في يد النظام يحركها لتفتك بأعدائه دون أن يظهر هو في الصورة مباشرة، و بين قائلا بأن الجماعة إنما قامت بما قامة به إيمانا منها بالخط الجهادي الهادف إلى استأصل رموز الإلحاد.
في 1974 سيتعزز التيار الإسلامي بجماعة أخرى هي جماعة العدل و الإحسان، حيث سيبعث مرشدها عبد السلام ياسين إلى الملك الحسن الثاني برسالة شديدة اللهجة مكتوبة في أكثر من مائة صفحة عنونها "الإسلام أو الطوفان" سجن على إثرها ثلاث سنوات ونصف بدون محاكمة، قضى منها سنتين في مستشفى للأمراض العقلية، و بعد ست سنوات من الإفراج عنه، سيعتقل لسنتين أخريين بسبب مقال نشره في صحيفة "الصبح".
و خلال 1985 و 1989 تعرض عبد السلام ياسين للمراقبة و الحصار.
في 1989 فرض عليه الحصار الرسمي و الإقامة الإجبارية ببيته و منعت عنه كل الزيارات لمدة تفوق عشر سنوات.
و عبد السلام ياسين يمزج بين التصوف (نظرا لتاريخه مع الطريقة البودشيشية) و السياسة و إن كان يرفض الخوض في الانتخابات، و يسعى حسب بيانات الجماعة إلى إقامة الدولة الإسلامية على منهج الخلافة الراشدة، و تحقيق القومة باعتماد منهج تربوي، و رفض العنف دون التردد في اللجوء إليه.
و عقب وفاة الحسن الثاني لم يتوانى عبد السلام ياسين في بعث رسالة أخرى إلى الملك محمد السادس عنونها"مذكرة لمن يهمه الأمر" أقوى ما جاء فيها في اعتقادي هو قوله؛ أن الثروة التي ورثها محمد السادس من أبيه، هي مال حرام، عليه أن يعيده لأصحابه، و أنه لا يُعقل أن يكون ملك البلاد ذا ثروة لا تعد و لا تحصى في البنوك الدولية(لأن الحسن الثاني قد صنف كأغنى شخصية في العالم) و بلاده ترزح تحت وطأة الديون...
و ما أؤاخذه حقيقة على عبد السلام ياسين على الرغم من إعجابي بشجاعته و بعلمه و التواضع الذي يستقبل به الناس، و هدوء أعصابه؛ هو التنبؤات التي يطلع لنا بها بين الفينة و الأخرى دون أن تتحقق أية منها، و الهالة التقديسية/التبجيلية التي يحيطه بها أتباعه؛ و كأنه شخص منزه. بالإضافة إلى عدم الشفافية فيما يخص صرف التبرعات التي تجمعها الجماعة، و الملفت للأنظار هذه الأيام أن عبد السلام ياسين غير مقر سكناه من حي السلام بسلا إلى فيلا بحي السويسي أرقى أحياء العاصمة!!
مسألة أخرى تدعوا إلى الريبة هو استقطاب أتباع من صفوف الجالية المغربية المقيمة بأوروبا خصوصا، و حرص عبد السلام ياسين على مراسلتهم شخصيا، و هذه الخلية المهجرية لن تبخل مستقبلا عن تقديم الدعم المادي و اللوجستيكي لجماعة العدل و الإحسان ليخلص المجتمع المغربي من مظاهر الفتنة حسب رأي مرشد الجماعة الذي يعتبر الحاكم طاغي و المجتمع مفتون.
خلاصة القول؛ أن التيار الإسلامي كان حليف استراتيجي مهم للمخزن المغربي على الخصوص في فترة السبعينيات.
سأعود في اللقاء القادم لرصد واقع باقي مكونات الحركة الإسلامية.

---
ببليوغرافيا:
محمد ضريف؛ الإسلاميون المغاربة ـ حسابات السياسية في العمل الإسلامي.
محمد شقير؛ الفكر السياسي المغربي المعاصر .
عبد السلام ياسين؛ تنوير المؤمنات؛ الجزء الأول.

11.18.2006

الإسلاميون قادمون


حين دخلت البيت الأربعاء الماضي، جلست أمام التلفاز، و كما العادة كلما أردت أن أغفو؛ أختار القناة المغربية الأولى؛ فهي على عكس جل قنوات العالم التي تزعج فكرنا الراكد؛ هي قناة مسالمة إن لم تنومك فلن توقظك.
كان النقل المباشر للجلسة البرلمانية، التي لم أدرك منها سوى ربع ساعة الأخيرة حيث شاهدت نقاش حاد بين أحد الوزراء و بين نائب برلماني من فريق العدالة و التنمية المحسوب على التيار الإسلامي المعتدل، حول قضية الخطوط الملكية المغربية المتمثلة في؛ إغلاق مديرها لمسجدين، و منع الربابنة من الصلاة، و الصيام أثناء العمل، بالإضافة إلى منع الحجاب بكافة مطارات المملكة.
لا يهمني كثيرا أن أحاكم الناس و أن أعين الصائب من المخطئ، بقدر ما يهمني أن أعرف كيف تجرأ الإسلاميون على مساءلات قوانين تتفق في شكلها العام مع توجه الدولة؟
لماذا لا يصيبهم فوبيا النظام كباقي رعاع الشعب؟
نحن نعرف توجه الدولة المغربية منذ الاستقلال؛ فمحمد الخامس بمجرد عودته من المنفى وزع على الشعب المغربي صورة عائلته التي تُظْهِر بناته بدون حجاب، و كانت هذه أول مرة في التاريخ المغربي يرى فيها الشعب بنات الملك سافرات.
في عهد الحسن الثاني كان مجرد الحديث عن الدين كمرجعية سياسية قد يؤدي إلى غياهب لا قرار لها.
و افتتح العهد الجديد ببث مباشر لأول عرس ملكي، و سمح لشعب برؤية زوجة الملك.
و الملك بنص الدستور المغربي هو أمير المؤمنين و حامي الملة و الدين، وهذا ما دَكَّر به الخطاب الملكي لعيد العرش 2004 حيث قال الملك لشعبه الوفي إن:" السياسة و الدين في نظام الملكية الدستورية المغربية لا يجتمعان إلا في الملك أمير المؤمنين."
أي أن المغربي الوحيد المؤهل للحديث عن الدين السياسي و احتكار سلطته الرمزية؛ هو أمير المؤمنين فقط، أما أولئك المؤمنون فلهم الحديث عن الدين الشعبي كنواقض الوضوء و مبطلات الصلاة؛ كما كان يحدث في برنامج " ركن المفتي" الذي كان تسبقه موسيقى الناي الحزينة، و يتناوب على تقديمه فقيه عجوز جبلي اللكنة، و أخر ضرير!
و حتى خُطب يوم الجمعة و عيد الفطر و عيد الأضحى فصياغتها هي من اختصاص وزارة الأوقاف و الشؤون الإسلامية، التي توزعها على الخطباء في كافة الأقاليم.
و أي حديث خارج هذا الإطار فيؤول على أنه تأسيس لخلية سرية تستهدف قلب النظام و المساس بالأمن العام.
و رغم كل هذا، لا يكف الإسلاميون عن إزعاج النظام! إن كان بمعارضة مشاريع قوانين، أو تحريض الشعب ضدها عبر مسيرات و مظاهرات، يُستخدم العنف غالبا لتفريقها، و يُتابع منظميها بتهمة عدم الحصول على ترخيص.
فمن أين جاء الإسلاميون بكل هذه الجرأة ليحاكموا الدولة و موظفيها؟
لما يحشرون أنفهم في كل شيء؟
ألم يكفيهم بربهم أن أحداث 16 ماي 2003 قد ألصقت بهم؟
ألم يكفيهم أن الجنرال حميدو العنيكري المدير العام لأمن الوطني الذي كان عشية 16 ماي مسؤول رفيع المستوى بالمخابرات المغربية المعروفة (لتمويه) بإدارة مراقبة التراب الوطني؛ قد صرح لمجلة فرنسية* بأن:" الجيش سيتدخل إذا ما فاز الإسلاميون خلال الانتخابات"؟
ألم تكفي الإسلاميين كل تلك النعوت التي ينعتها بهم اليسار: الأصوليين، المتأسلمين، الردكاليين، الرجعيين، المتخلفين، الظلاميين، المتطرفين، الإرهابيين، الملتحين، الخونجية، المجلببين، الإخوانيين، المنافقين.. و القائمة طويلة؟ لماذا لا يصمت المُعَيَّرِين ليتقوا المزيد من النعوت القدحية في حقهم؟؟
كل ما سلف لا أعرف الإجابة عنه، لكني سأعود في اللقاء القادم لأنبش في تاريخ لحركة الإسلامية في المغرب، لأفهم من أين أتوا، لعلِيَّ أتوقع إلى أين سيصلون.
لا تنتظروا الكثير، فلحد الآن لا أعرف بعد ما سأكتب، لكنني سأقرأ في الموضوع لا أكثر و لا أقل.


*le nouvel observateur

11.11.2006

Synonymes

Regard doux.
Corps de femme
Qui rend fou
Qui enflamme...

Peau de velours
Beauté naturelle
Image du jour
Reflet du ciel...

Lèvres brillantes;
Pétales de charme
Qui hantent
Qui désarment

Sourire merveilleux
Simple, ravageur
Douceur de feu
Langage du coeur...

Glacier, volcan
De l’Olympe déesse
Fleur de printemps
Infinie tendresse...

Ange, fée,
Génie de l’au-delà
Mythe, réalité...
Simplement Tazart...

PS : merci mon oncle

11.07.2006

لقاء ميتافيزيقي (تابع)


اختفت التجاعيد من الوجه، و الرأس لم يعد مغطى بالرزة البيضاء؛ فبرز الشعر الأسود القصير و شامة متألقة بالجهة اليمنى من العنق..
في البداية ظننت أنني من كثرة الحرارة ضعف تركيز الرؤية عندي، فأدرت رأسي نحوه؛ فتأكد لي صحة ما رأيت في المرآة.
صدق أو لا تصدق العجوز الذي كان يصارع الموت قبل لحظة تحول إلى شاب، و حدها الفوقية الزرقاء هي التي لم تتغير. كانت الصدمة أكبر مما أحتمل فبدأت أصرخ و أبسمل و أحوقل، أوقفت السيارة وطلبت منه النزول حالا، حاول تهدئتي و أن أسمح له بأن يشرح لي، لكن لم أكن في مزاج حتى لأسمع نفسي، علا صراخي و ولولاتي اتسعت عيناي. خرجت من السيارة و بدأت أصرخ في الشارع" جن في السيارة..".
كنت خائفة و لساني بين البسملة و الصراخ. حين نزل و حمل كيسه و عمامته، قفزت إلى السيارة و أدرت المحرك بسرعة جنونية. من المرآة رأيته يتابع سيره، خفت أن يلحق بي فأسرعت.
كانت"امرمان" هي كل ما يفصلني عن الصويرة؛ لم أدري متى اجتزتها. حين تراءت لي الصويرة و شجيرات أركان أحسست بالأمان.
قصدت وسط المدينة، حيث يقضي عمي عبد الله و زوجته فاطمة الزهراء (أو فاتي كما يناديها هو) عطلته السنوية بعد عودتهما من أمريكا.
حين طرقت الباب سمعت صوت عمي خلفه، فما إن فتح لي حتى ارتميت عليه و أجهشت بالبكاء. ظل يسأل مذهول ما الأمر؟ لكن الدموع خنقت صوتي، فلم أتمكن سوى من ترديد كلمة الجن الجن، أدخلني و هو يضحك فلقد ظن أنني أمثل عليه، لكني ما فتئت أكد له أنني رأيت جني و أنه كان معي بالسيارة، لكنه لم يصدق شيء مما قلت، و جعل يضع يديه على جبهتي ليفحص حرارتي، و قال:" هل تناولت الغداء؟" حين أجبته أنني لم أكل شيء منذ الصباح قبل أن أذهب إلى إذا وثنان لأزور المقبرة.
كنت أحكي له بصوت ملأته الدموع التي احتقنت في عيني طيلة الطريق، بلغ صوتنا مسمع زوجته فاتي فجاءت إلى الغرفة؛ كنت أعرف أنها لن تصدقني أكثر من عمي؛ فهي أصلا لا تطيقني، و ربما اعتقدت أنني إنما لفقت تلك الحكاية لأخترق وحدتهم الرومنطيقية.
قصد عمي المطبخ ليحضر لي ما تبقى لهم من الأكل فالساعة كانت تتجاوز الثالثة زوالا. وضع أمامي طبق به سمك مقلي، وطبق به سلطة. و قال:" حين تنتهين من الأكل سنستمع لك." حملقت فيَّ زوجته، و نظراتها الحانقة توقظ فيَّ الرغبة في استفزازها أكثر،أعرف أنها تغار من علاقة عمي بي، فنظرا لأن عمي لا يكبرني سوى بثمان سنوات؛ فقد كان دوما الأقرب إلي، كان يحكي لي عن مغامراته العاطفية، سوء حين كان بالمغرب أو حتى حين هاجر للدراسة ثم العمل في أمريكا.
أذكر أنه مرة وصلتني رسالة من أحد مفطور القلب فقرأتها عليه، أعجبه كثيرا الأسلوب التي كتبة به، فأخذها و أعاد كتابتها بيده و بعث بها إلى إحدى المتمنعات عليه.
ربما كثرة هذه الأشياء المشتركة بيننا، هو ما يغيض زوجته الآن، فهي تتذمر لأنني أعرف عن عمي أكثر مما تعرف، ولأنه كلما عاد إلى المغرب يحرص على أن نقضي العطلة معا، و كثيرا ما كنا نتهامس في حضورها فلا يعجبها الأمر، فتشدد الخناق علي.
المهم بعد الأكل حكيت لعمي تفاصيل ما حدث معي، هو حار بين تصديقي أو تكذيبي، أما زوجته التي كانت منهمكة في طلاء أصابع رجلها؛ فكانت ترفع إليَّ نظرات تكذيب صريحة. على رغم من ثقة عمي بي، إلا أنه لم يستسغ فكرة تحول رجل من شيخ في الستين إلى شاب في الثلاثين، بمجرد أن لعق إصبع عسل من يدي. و أسند رأسه إلى صدري.. لم يزد عمي عن قوله بأن حكايات جدتي عن الجن و عن عيشة قنديشا و كل شخوص العالم الماورائي قد أذهبت برشدي، فتوحد بي المحكي إلى درجة أني صرت أتوهم حضوره الفعلي في حياتي.
تعبت من الشرح لهما بأنني كنت في كامل قواي المنطقية، و أنني لم أتخيل شيء.
حين لم يجدي شرحي استلقيت، و قبل أن يتسلل إليَّ النعاس؛ أحسست بهما يغادران الغرفة و يغلقان بابها علي.
استفقت و عمي عبد الله يهزني قائلا:" لما تصرخين؟هل أنت بخير؟"
انتبهت فوجدت وجهي يقطر عرقا، و حلقي جاف، بعد أن قدم لي ماء قال:" لماذا تصرخين و أنت نائمة؟"
قلت:" لقد رأيت ذالك الشيخ الذي تحول إلى شاب في الحلم، و كان يهمس لي بالأبيات ذاتها!"
قال:"أية أبيات؟"
استظهرت عليه الأبيات التي لحد الآن أستغرب كيف حفظتها بتلك السرعة!
أنهضني عمي و قال:" هذه مجرد هلوسة، لماذا لا تستحمين و ستشعرين بالتحسن؟"
حين خرجت من الحمام، و جدتهم قد أعدوا القهوة. جلسنا جميعا نرتشفها، و التلفاز كان يذيع نشرة السادسة.
احتسيت قهوتي في صمت، و ظل عمي يتفحصني بنظرات قلقة. قال:" هل سترافقنا إلى حضرة كناوى؟" يقصد مهرجان كناوى الذي ما قصدنا الصويرة إلا من أجله.
قالت زوجته متحمسة:" لماذا لا تتركها ترتاح الليلة و تحضر معنا السهرة الختامية غدا؟" أجبت:" لا سأذهب معكم، فلا رغبة لي في البقاء وحدي."
قهقه عمي قائلا:" هل تخافين أن يزورك الذي أعدت شبابه إليه؟ لو كنت مكانه ما فارقتك أبدا! لكن هل ستردين على عمك شبابه حين يشيخ هو الأخر؟ على كل الأفضل أن تأتي معنا فربما سنغادر الصويرة غدا." لم أكن في مزاج لمجادلتهم فاكتفيت بالصمت.
خرجنا نحن الثلاثة نجوب أزقة الصويرة و عرجنا على الصقالة؛ لنطل على البحر، كانت أسراب النورس توقظ في الأعماق الإحساس بالفراغ، بضلالة الفكر، و بالرغبة في قضاء ما تبقى من الحياة في صمت.
رؤية البحر الهائج المائج يوحي بعبثية الأسئلة التي نقلق أنفسنا بها لا لشيء سوى لنتعجرف بذواتنا المفكرة، و نتشدق بأحلامنا في الحرية، ونظل أسرى لقوالب نرسمها ونتحجر بداخلها؛ و نعتقد أنها وحدها الحق.
أما الغروب الصويري فأروع ما شهدت، لا أدري لماذا كلما رأيت الغروب في أي مكان من العالم تطن كلمتي الرحيل و النهاية في رأسي.
ذالك بعض ما راودني و أنا على البحر، حيث كنت أجلس صامتة بجانب عمي و فاتي.
حين أرخى الليل سدوله؛ كما قيل في غابر الزمان؛ غادرنا البحر و قصدنا مطعما لنتناول العشاء.
ثم غادرنا المطعم صوب ساحة المهرجان؛ كانت الساحة مكتظة عن أخرها، وقفنا في الصفوف الأخيرة، رغم طولي لم أتمكن من أن أبصر بوضوح الفرقة التي اعتلت المنصة؛ كنت أجتهد لأقف على أصابع رجلي، حين لم يجدي الأمر اكتفيت بالإنصات للموسيقى.
كان كل من حولي يقفز في انتشاء حتى عمي و زوجته ما فتئا يقلدان قفزة القردة، أحب تلك الموسيقى، لكن ليس إلى حد الصياح بالميمون و عيشة مثل عمي.
كنت الجسد الهادئ الوحيد في ذالك الجمع، من طرف عيني لمحت جسد ساكن على مقربة مني تقفز الأجساد، و تعلو الأيدي، و هو باق دون حراك.
قلت في نفسي:" حمدا لله لست المغفلة الوحيدة هنا."
التفت اتجاهه، هل ستصدقني؟ لقد كان هو ذاته ذالك الرجل.
اقتربت من عمي ببطء.
همست في أذن عمي:" إنه هنا؟"
قال:" من هو؟"
قلت :" الرجل الذي حملته من إذا وثنان."
تفرس في من أشرت إليه. ثم نظر إلي باستغراب و قال:" هل هذا هو من أعدت إليه شبابه؟" أشرت برأسي نعم. قال:" إذا اتركيه فسوف يصرعه الميمون أمامنا و سيكشفه الجْوَدْ حالا." وجود عمي معي وهبني الإحساس بالأمان، بقيت طيلة السهرة متأبطة احد ذراعه و زوجته بذراعه الأخرى، حين تعب نهرنا قائلا:" هل ستقودانني إلى السجن، الرجال يتمنون امرأة واحدة لتمسك بهم، و أنا تعتقلني اثنتان لا أدري هل أنا في نعمة أم نقمة"
قلت:" أما أنا فنعمة." فتنحنحت زوجته.
كنت أنظر بطرف عيني صوب ذالك الرجل/الجني، تبين لي أنه على قدر من الوسامة، لو أنه فقط حدثني؛ لكنت عرفته بعمي و زوجته، عله يؤكد لهما صدقي.
لكن لم يبدو عليه أنه قد رآني، من المؤكد أنه لم يراني!
بعد نهاية السهرة عدنا إلى البيت، كان الوقت يقارب الفجر خلدنا إلى النوم، في الغد كنا نحزم حقائبنا لنغادر الصويرة، لم نحضر الحفل الختامي للمهرجان، ولم يودعني أحد.
هل سأزور إذا وثنان الصيف القادم؟!

11.03.2006

لقاء ميتافيزيقي


وصلت إلى المقبرة الواقعة خارج الدوار، كان سورها القصير قد تهدم من إحدى الجهات.
وقفت على قبري جدي و جدتي اللذان كان يفصلهما قبر زوج خالتي و قبر جدة أمي.
كادت الحرارة لتفقأ عيني، و كدت ألعن الفكرة التي قادتني في ذالك اليوم الشديد الحر إلى إذا وثنان*، آ لهذا الحد أنا بارة بأسلافي!
جلست تحت شجرة أركان المنتصبة عند رأس القبور، غريبة أمر تلك الشجرة؛ فرغم المكان المقفر القاحل إلا أن أوراقها بقيت خضراء!
دعوت للموتى بالرحمة، ثم غادرت المقبرة بحذر كي لا أدوس على قبر من القبور المستوية على الأرض، و التي كدت لا أميزها لولا تلك الحجرة المنتصبة جهة الرأس؛ بعضها قد كتب عليها أسماء أصحابها و تاريخ وفاتهم، و البعض الأخر لم يكتب عليها شيء، و قبور أخرى فارغة في انتظار أصحابها؛ تذكرت وصية أحد أفراد عائلتي الذي توفي في بلجيكا و كانت وصيته تلزم ورثته بنقل جثمانه إلى إذا وثنان. تساءلت لماذا يتعلق الإنسان بأرض ما، حتى حينما يغدو جثة؟
غادرت المقبرة تاركة السيارة هناك، و أنا أجوب الدوار، لم أصادف أحد من سكانه، وبدا و كأنه مهجور لا يقطنه أحد سوى سكان تلك القبور؛ أكيد أن حرارة الشمس هي ما منعت الناس من الخروج؛ ربما فضلوا ترك الأعمال التي تقتضي منهم مغادرة بيوتهم الطينية الباردة.
البنية المرفولوجية لدوار لم تتغير كثيرا؛ لذا لم أجد صعوبة في تذكر الطريق المؤدي إلى الدكان الوحيد به. طلبت من البائع قنينة ماء معدنية، ذهل للحظة ثم قال:" لا نبيع الماء، ثم أضاف، سأجلبه لك من بيتي." دخل من باب صغير بالدكان لا يمكن المرور منه إلا بانحناء الظهر. نظرت إلى السلع التي علاها الغبار، والزجاج الذي لم يعد يظهر ما ورآه من كثرة برز الذباب عليه.
بعد لحظات عاد البائع؛ الذي كان يرتدي فوقية مخططة بالأبيض و الرمادي، من فتحة صدرها كانت يظهر "تي ـ شورت" أزرق قد تآكل و باهت ما حول الرقبة. كان يشارف عقده الرابع، مد لي كأس به ماء شربته كان باردا أحسست بسريانه في جوفي أعدت له الكأس، و قدم لي قنينة كوكا بلاستيكية مغلفة بخيش مبلل ملأها بالماء حين وجد يدي لا تمد إليها، قال:" خذي هذه معك، إنها باردة " قال ذالك و نظراته الفضولية تجتاحني من رأسي حتى قدماي.
لرد جميله فكرت في شراء شيء، لا أدري ما الذي قاد نظري إلى قنينات ماء الزهر التي كانت بأعلى الرف؛ فقلت:" أعطيني قنينة".
صعد سلما خشبيا و قال و هو ينزل بعد أن أرًَّقه الفضول:" من أنت؟"
قلت:" أنا تزارت ؤ محمد ؤعدي"، تذكرت أن أبي قد غادر الدوار منذ زمان بعيد؛ فمن المحتمل أن لا يعرفه فأضفت:" حفيدة الحاج الحسن ؤعدي." ما إن سمع الاسم حتى أبتسم و مد يده إلي، صافحته و رحب بي و دعاني للغذاء لكنني اعتذرت، فألح في طلبه فلم يسعفني سوى الكذب لتخلص منه فتذرعت بأن أفراد عائلتي تنتظرني بالسيارة بجانب المقبرة، لكن هذا لم يزده إلا إلحاحا في دعوته، و ذكر بأن جدي كان صديق أباه.
اعتذرت بامتنان أعمق، و وعدته بأن ألبي طلبه في المرة المقبلة.
غادرت دكانه، وعدت مسرعة إلى السيارة و أنا أحمل قنينة ماء الزهر ذات الزجاج الأخضر، و قنينة الماء الملفوفة بالخيش؛ تصورت نفسي من البدو الرحل أو كعجوز تنوي زيارة ضريح ولي الله علها تنال البركات.
قدت و أنا أنوي قطع المسافة مباشرة إلى الصويرة عل اعتدال جوها ينسيني ذالك الحر.
بعد أن قطعت أول كيلومتر بعد أن انحرفت يسارا عن إذا وثنان وسلكت الطريق الوطني رقم1. كنت قد مررت بإشارة تشير إلى أنني على مشارف " تمنار" لمحت من بعيد طيف إنسان جالس بجانب الطريق، حين اقتربت تبين، من فوقيته الزرقاء من الطراز الصحراوي، أنه رجل عجوز ربما في الستين من عمره. يضع عمامة بيضاء على رأسه، أمامه كيس بلاستيكي أسود.
أشار بيديه إلي، لكنني لم أعباء به، واصلت طريقي؛ كنت في عجلا لأصل إلى بيت عمي في الصويرة، الذي تخيلته و أنا في ذالك الحر و كأنه جنة عدن.
حين تجاوزته بمسافة معقولة استبد بي الإحساس ببشاعة ما فعلت، فكيف سمحت لنفسي بترك ذاك العجوز في ذالك الحر؟ ماذا لو كنت أنا في مكانه؟ ماذا لو أن الله قد وضعه في طريقي امتحانا لي؟
عكست اتجاه المقود عائدة إليه. حين وقفت بجانبه لم يتحرك حتى أشرت إليه قائلة:" ماني تريت آ الحاج؟" (إلى أين أنت ذاهب؟) فجاء يجر خطاه و قال:"تصورة" (الصويرة) أجبته أنها وجهتي، فتح الباب الخلفي و جلس. على المرآة انعكست تجاعيده بأعلى جبينه و حول فمه. أطفأت شريط:


"when you say you love me" Joshi Groban


فقد ظننت أنه من غير اللائق استفزاز هذا شيخ السوسي بتلك الكلمات.
ضل العجوز منذ ركوبه معي يهمهم بكلمات لم أتبينها، تذكرت صوت جدي الحاج لحسن ؤعدي؛ الذي ألح على أبي أن يسميني تزارت، و الذي كان عقب صلاة العشاء يدعوا بصوت منخفض يشبه صوت هذا الغريب.
انتبهت للعجوز خلفي يقول:" هل تحفظينها؟" قلت:" ما هي؟"
فردد بصوت متحشرج:"
أمِنْ تَذكِّر جيرانٍ بذي سَلَمِ مَزَجْتَ دَمعاً جرى مِن مُقلةٍ بِدَمِِ
أم هَبَّتِ الريحُ مِن تلقاءِ كاظِمَةٍ و أومَضَ البرقُ في الظلماءٍ مِن اِضَمِ
فما لِعَينيك إِنْ قلتَ اكْفُفَا هَمَتَا و ما لقلبكَ إنْ قلتَ استَفِقْ يَهِمِ
أيحْسِبُ الصَّبّ أنَّ الحبَّ مُنكَتِمٌ ما بينَ منسجِمٍ مِنه و مُضطرمٍ
ولولا الهوى لم تُرقْ دمعاً على طَللِِ ولا أرقتَ لِذِكْر البان و العَلَم
فكيفَ تُنْكِرُ حباً بعدما شَهِدَت به عليك عُدولُ الدمعٍ و السَّقم
و أثبَتَ الوَجْدُ خَطَّى عَبْرَةِ و ضَنَى مثلَ البَهَارِ على خَدَّيك و العَنَم
نعَم سرى طيفُ مَن أهوى فأرَّقنِي و الحُبَّ يعتَرضُ اللذاتِ بالألمِ
يا لائِمي في الهوى العُذَّريِّ مَعذرَةٌ مِنَّي إليك و لَو أنْصَفْتَ لَم تلُمِ
عَدَتْكَ حالي لا سِرِّي بِمُسْتترِ عن الوُشاةِ و لا دائي بمُنحَسِمِِ
مَحَّضْتَنِي النُّصْحَ لكِنْ لَسْتُ أسمَعُهُ إِنَّ المُحِبَّ عَنِ العُدَّالِ في صَمَمِ
اِنَّي اتَّهَمْتُ نصيحَ الشَّيْبِ في عَدُلِي و الشَّيْبُ أبْعَدُ في النُّصُّْح عَنِ التُّهَمِ

كانت نبرات صوت العجوز تزداد عند بعض المقاطع دون غيرها أنصتت إليه بكل خلاياي السمعية و الذهنية، سارت القشعريرة بكامل جسدي، فقدت تركيزي على القيادة فركنت جانبا، و طلبت منه أن يعيدها فأعادها لكن صوته كان يظهر عليه التعب مع توالي الأبيات؛ أوقف الإلقاء عند أخر بيت كتبته هنا، و قال بصوت واهن:" هاتي البردة أياد"( إنها أول مقطع من بردة البوصيري)
انبهرت بقوة ذاكرته التي لم تتجعد مثل وجهه و لم تهن مثل صوته.
أدرت المحرك من جديد لمتابعة القيادة، رأيته يسند رأسه إلى الكرسي و يصدر تأوهات ضعيفة، استدرت إليه و سألته إن كان على ما يرم، لكن صوته كان أضعف من أن يجتاز حلقه. أخذت قنينة الماء و فتحت الباب مستديرة إلى الباب الخلفي؛ لأقدم له الماء بعد أن عجز عن مد يده ليأخذه مني، رفض أن يشرب و أشار إلى كيسه، فتحته فوجدت به ثوب ملفوف، و قنينة زجاجية بها شيء قاتم اللون يشبه العسل، سألته إذا ما كان هذا ما يبحث عنه فأومأ برأسه إيجابا، فتحت القنينة و قربتها منه؛ لكن يده سقطت على المقعد دون حراك، رفعت القنينة إلى فمه لكن العسل كان سميك فلم يسيل منه شيء. اِشتد بي الرعب؛ خفت أن يموت بين يد. رججت القنينة عل العسل ينزل، لكن دون جدوى فأخذته بإصبعي و حاولت فتح فمه بيدي الأخرى؛ ولقمته إياه.
أغمض عينيه و أسقط رأسه على كتفي؛ صعقت كدت أبكي بدأت أهزه، و أرجوه أن يستفيق:" يا إلهي لا تجعله يموت الآن...".
استبد الخوف و اليأس بي و أنا أراقب تنفسه الضعيف، تركت رأسه على صدري اللاهث و دقات قلبي القوية؛ تخترق رأسه لكنه بدا وكأنه ليس في هذا العالم بتاتا.
كنت مذعورة و مستعدة لأن أفعلا أي شيء فقط ليبقى على قيد الحياة؛ ففي حياتي لم أرى ميتا فما باله لو مات على صدري..
تذكرت قنينة ماء الزهر فرششتها عليه، لكن دون جدوى.
بعد لحظات حسبتها دهرا؛ بدأ العجوز يتحرك، و يفتح عينيه.
سألته إن كان بخير، فأجاب:" نعم" قبَّلت رأسه و يديه من شدة فرحي؛ لا أدري هل كنت سعيدة بأنه بخير أم لأنني نجوت من أن أتهم بقتله؟
عدَّلت جلسته، و أشربته شيء من الماء، وعدت مسرعة إلى الأمام و أدرت المحرك من جديد، رفعت من السرعة لأوصله إلى الصويرة قبل أن يدركه عزرائيل و هو معي.
كنت قد اجتزت " سميمو " و بدأت أقترب من "امرمان"؛ حين نظرت من المرآة لأطمئن على العجوز المحتضر، لكن الوجه الذي انعكس لم يعد يشبه الوجه الذي رأيته قبل لحظات!
لا أدري هل ضعف بصري أم أن الذي كان يركب خلفي لم يكن مجرد ذات بشرية ثابتة
الملامح؟

يتبع...


----
*شمال شرق أكادير