" أكتب كي أبعث الحياة في الناس و في الطبيعة و في الأشياء" محمد خير الدين

6.21.2006

فاشستية الذاكرة



قبل أيام كنت أبحث عن شيء في أرشيفي، فعثرت على دفتر كنت أكتب فيه أولى محاولاتي السردية.
وكنت قد بعث به لد. يوسف غربي ليعطيني رأيه. بعد أن قرأه كتب لي رسالة التي سأنشر نصها في الختام .
سأنشر النص كنوع من الحنين للمقاعد المدرسة، تلك المقاعد التي يكتب فيها الكسول الدرس ليستعين به وقت الامتحان، و يكتب فيها أصحاب الحب الأول أسماء حبيبتهم، و يعلقون:"الحياة بلا حبيب كتفايا بلا زبيب". أما المولعين بالرجاء أو الوداد فهم يحفرون ذالك على مقاعدهم.
أتحسر الآن لأنني لم أكتب شيء بدوري عله كان سيخلد اسم تزارت و لو على الطاولات.
كم أشتاق لسبورة السوداء التي ربما لا تُطلى إلا مرة كل عشرين سنة.
و حين كنا نشتكي منها للمدير كان يقول:" مال السبورة ياك كيكتب فيها الطباشير؟ أشنو بغيتو مزال!"
وحين كنا نرد بأن الخط غير واضح بها كان يجيب:" وعلا هد القبال ماشي سبورة لي خاصها الصباغة، راها عينيكم لي خاصاهم نضاضر! سيرو تقراو حسن ليكم، وا شحال فيكم ديال لفشوش
آ ولاد ماما غطيني! ر اه كاين لي مالاقي حتى بحال هد السبورة."
فتكلم أحد التلاميذ قائلا: " غادي نصيفتو بريا لوزير التعليم يش إصيفط لينا سبورة جديدة، ولا بعد غير وحد السطل ديال صباغة كحلة وحنا نصبغوها"
ويرد المدير: " يا ولدي دير رسك وسط الريوص وعيط: يآ قطاع الريوص. وش صحابك الوزير مسالي ليك، وسير دخل لقسمك وديها فقرايتك، لو كان عند الوزير شي باب لوكان حنا دقينه قبل منك "
وتكلم تلميذ أخر: "وراه لوزير معرفش حتى واش كاين هد المدراسة."
وليفض المدير الجمع قال بلهجة صارمة مشوبة بالحنان:" راه إلى ديتوها فقرايتكم مزيان، غادي تجيبو حسن من ولاد الوزير لي كيقراو فالخارج."
فنبرا رأس من بين الرءوس قائلا:" ومنين جاب لوزير لفلوس باش يقري ولادو فالخارج؟
و الوليد ديالي خدام ليل ونهار غير باش يشري لينا الكتوبة من الجوطية، وكايقول لي تهَلاَّة فالكتوبة، عنداك إتقطعو ليك، باش منين تسالي منهم نتا يقرا فيهم خوك العام الجاي. و جدة عندها الصح منين قالت: راه شي عطاتو و شي زواتو! ومن العهد ديال جدة وحنا عندنا بومزوي وراثي أبا عن جد."
المدير: " ياك آ ولد علي الخراز سخن لولديك الراس، وليتي حاسد لوزير على ما عطاه الله، راك مطرود من المدرسة حتا تجيب ولي أمرك. ويا تريكت الجوع خلص لولديك بعدا جمعية الآباء، لي كتسانها لك المدرسة نتا ودوك ثمانية ديال لخوت لي عندك. وا باز آ سيدي ! المدرسة عامرا غير بولاد الخراز، ولاباس منين متجوجش الخراز ربعة ديال العيلات، ويولد مع كولا وحدا ثمانية ديال الأولاد، وراه غادي يولي خصنا قسم غير لولاد الخراز!"
تعالت قهقهة التلاميذ و حمر وجه ابن الخراز
فصرخ فيهم المدير: "يالله غبرو علي كمامركم حتى نتوما، ولا راه مغديش يعجبكم الحال كاملين."
كتم التلاميذ أصواتهم وجروا أرجلهم لأقسامهم وتحايلوا في الكتابة على السبورة أحيانا يكتبون بخط ضخما وأحيانا يضغطون على الطباشير..
مآسي ترسم في القلب أخدود، لكنها جزء من الذاكرة لا يمكن ردمه و لا نسيانه، أتمنى فقط ألا يختبر أولادي إحساس من لا يملك ثمن كتاب، و لا يستطيع مقاومة هوس القراءة، الهوس الذي قال لي يوما د. يوسف أنه كالنار المتأججة لا تنوانى عن طلب المزيد المزيد من الحطب.
د. يوسف غربي لم يكن فقط اسم للأستاذ من أساتذتي، بل كان صوتا يعيدني لصوتي حين يضيع صوتي مني.
لا أعرف أين هو الآن، لكن حيثما كان، فله من تزارت كل التحيات الزكيات الطيبات.

هذا هو نص الرسالة تماما كما في المخطوط الأصلي بدون أي تغير:

بسم الله الرحمن الرحيم


" ربي إني لما أنزلت إلي من نعمة فقير"

قرأت كل ما كتب بهذا الدفتر..
لقد اغتبطت كثيرا لأني صافحت اللغة التي توقظ في الأعماق أحاسيس الدهشة و الانتشاء..
لغة مسكونة "مجذوبة" بأصوات من أهدونا لحظات جمال روحي معتق..
ثلاثة عشر سنة من العشق تشدني إلى التعليم.. أنا لا أعتبره مهنة، أنا هو، هو أنا..
أحب هذا الحلول، هذا الفناء الذي تنمح فيه الحدود و الفواصل، والمعالم..
هذا التوحد الذي يذَُّوِبُني مع التلاميذ في معزوفة التماهي العظيم..
هذه المهنة أعظم قدر حالفني.. تربطني بأقدس شيء ـ عندي ـ في هذا الوجود" الكلمة"..
للحرف يا تزارت لذة لو علمها المفتونون بنزوات الجسد، لجلدوني عليها بالسيوف...
أتذكر الآن شريط السنوات، فأجد هذا الحب غدا شلالا هادرا بأعماقي، للحروف انثناءات تخلبني..
لحظات من التبرعم المتكرر الذي لا يني تشدني.. أصوات تلاميذي تسكنني..
لا أستطيع أن أنسى.. أستغرب لمن يقول: سئمت قاعة الدرس!
إن الزمن الذي أقضيه في الفصول، أعاشر فيه أروع البشر،
فلتات الجمال اللغوي.. يصافحني المتنبي، يفجرني يحي حقي، يفتح الضرير بشار عيني، يمسح عنها رمد اللغة الكليلة، أسماء و أسماء... أشم رائحة كتب مكتبة القسم، أصب زيت الحروف في المآقي و الفؤاد..
وأُشْرِكُ المُرْدَ و العذارى في طقس الإدمان...
فيا رب لا تشفيني من هذا الداء"محبة الأدب".. فبه حياتي، يا مبدع أروع الكلام تقدست في ملكوتك أدم علي هذا الهُيام..
وبعد:

أذكر تزارت و رفقتها فأذكر احتفالية الحروف، مهرجان الأسئلة.. حماس المشاركة.. أذكر بقية من طفولة، فأندهش كيف وصلت هذه الحُشاشة في غفلة من زمان غير لون الجبال، وصبغ الحَزّنَ و السَفلَ بتلوينات العهر و الزيف؟ ما أروعكم يا أحبائي؟
التفاني، العرفان، البحث، التحدي... معان قرأتها و لا زلت في عيونكم وعيون أمثالكم..
هي التي تمنحني مزيدا من الاشتعال و الاحتراق
و وهب قطرات دمي بالجملة إلى الجيل الذي أتشوفه قادما ليعيد للوقت نبضه، وللحلم اخضراره...
أحْقِنُكم بعناية بِمَصْلِ الجنون العاقل! أذكر سؤالكم عن كتاب به سر اللغة الآسرة..
هُيَامَكم بالرياضة.. بطقسها التأملي، بزيها الأسود كعباءة الحسين، كجنوب لبنان المجاهد.. كأحزان كربلاء..
أتدفق الآن... أكتب حماي الحميمة...
فمعذرة إذا امتصني رحيق الأيام و الأصوات، وارتج زلزال اللغة بداخلي.. و شظاني أجزاء من الجِمار...
هذه يا بنتي" صيحة القلب و هي جوهرة قزحية الألوان."
أقول لكِ.. بداية الاشتعال المقدس أرسلت ألسنتها فلا تقنعي بما دون الحريق...


" أموت في النور ولا أعيش في الظلام"
المخلص:
يوسف غربي
26 مايو1999

6.15.2006

هَذا مَا جَناهُ الحب عَليَّ، وَمَا جَنيتُ عَلى أحد.


هذا رد على بعض أصحاب التعاليق التي تأخرت عن الرد عليهم فيما سبق، تعويضا لتأخير الغير مقصود، سأخصص لهم هذه الصفحة،
أولا: لأني أحترمهم جميعا،
ثانيا: لأني أريد توضيح بعض النقط.
ثالثا: لأني أحب فن التحاور، حتى مع من لا يتفق مع تزارت.


إلى الذي يهمه الأمر فعلا:

إذا ما افتقدتني فلا تقل أني نسيت حروفك، فما كان غيابي عنك إلا بك.
إن ظننت بأني كنت سأصدق أنك من كتب ذاك السطر، فأنت لم تقدر بعد ذكاء تزارت.
فهي تعرف خط مدونيها حتى وإن انتحلوا ألقابا غير ألقابهم.
ما كنت لأخطاء شكل حروفك ولو بين كل حروف الأرض، فهي من دمي تسري،
هي تعرفني وأنا أعرفها، عزيزة كوجه أمي، حنونة كعيون جدي،
شهية كشاي جدتي. حروفك إعصار تتعانق الفصول فيها.
ففتح ذراعا أحرفك عن أخرها لتحتضن حروفي،
و لا تعبأ كثيرا بالقيل و القال.
فقد تكون هذه فرصتنا الأخير لنكون ما كنا لن نكونه لو كنا لم نكن معا.
تعالى نؤثث معا رصيف حلمنا بحروفنا، وتعالى نرسم في عيوننا بقايا الأحلام التي لم تجتث بعد فينا.
تعالى نبعث خربشات طفولتنا من مراقدها. تعالى نختر قدرنا ولو لمرة واحدة
تعالى نبحر في زورق العقل نحو جزيرة الجنون. لتُرفعَ الأقلام عنا.
هل تعرف بأن الأمزيغ كانوا من هواة الكتابة منذ الأزل، نحتوا أعرافهم وقوانينهم على الصخور، وعلى جذوع شجر الأركان. لكنهم استحيوا أن ينحتوا قصائد الغزل ، ورسائل الغرام عليها، لكي لا يقرأها غيرهم، مخافة أن يكشف أسرار الغزل عندهم، ويغوي نساءهم. فوشموا على جلودهم تلك القصائد، و كل الحروف المتمردة على سلطة العقل. فرسم وخط كل واحد منهم ما يريد البوح به على جسد من يهمه أمره، فصار الوشم سر بينهما، و لغز لا يفك طلسمه غيرهما.
حين التقى الأمزيغ بالحضارة الأخرى، إستحيوا أن يشرحوا ما وشموه على الأجساد. فستغشوا ثيابهم، وقالوا هذا مجرد وشم لا تفسير له، و نفوا أن تكون لتلك الحروف الموشومة أية الدلالة شبقية.
فإن كان ما أكتبه يزعج أو ينقض وضوء البعض، فهل تسمح لي أن أوقف سيل الحروف و أفعل ما فعله أجدادي الأوائل؟
أختم بسؤال و أتمنى أن تَصدُقَنِي الجواب: هل حروفك عذراء؟ لأنني لا أحب الحروف المستعملة.



إلى: تمايورتينو

حبيبة عمري، كم أنا سعيدة بزيارتك المعلنة.
فأنت كل ما أملك.
أود أن أشرح معنى لقب تمايورت لغةً:
تمايورت لفظة أمزيغية مشتقة من أيور الذي يعني القمر،
وتمايورت تعني ضوء القمر، ءينو هو ضمير صفة الملكية.
و من ثمة ف تمايورتينو تعني ضوء قمري،
هذا بنسبة لدلالة الغوية أما الدلالة الاصطلاحية فتمايورت هي أعز صديقة لدى تزارت، وهي فعلا تطابقها تلك الصفة.
هي تعرف كل شيء عن تزارت؛ تملك كلمة المرور إلي بريدها الإلكتروني، وإلى قلبها أيضا.
يا تمايورتينو:إني أحب رؤية القمر، لكن أحب رؤيتك أكثر.
اطمئني فلن يزاحمك أحد في قلبي، فأنت قبل الحب وبعده.
بالنسبة لقلبك المحطم، أدعو الله عز وجل أن يحطم قلب من حطم قلبكِ.
أستطيع خياطة قلبكِ الممزق" باش بغتيني نخيطو ليك؟ واش براندا، ولا بالسفيفة ولا غير طراسان برك عليه؟"
سأزوركِِ قريبا، فلا تتأخري في العودة إلى البيت.

إلى رويشا:

تحياتي الخالصة
لا تقلق على التعبئة، فإنها من النوع الذي لا ينفذ أبدا، سأستعملها مدى حياتي ثم سيرثها أبنائي من بعدي. وهي لم تصل بعد الأسواق المغربية، فلا تتعب نفسك بالبحث عن مثلها.
دعني أخبرك عن ذكرياتي مع لقب رويشا.
لقد كان أبي من محبي رويشا، فكان صوت رويشا لا يصمت في بيتنا ليل نهار، دونما توقف، وكنت أتعجب كيف أنه لا يتعب من الغناء طيلة الوقت!
حين تقدم بي العمر قليلا، و فهمت بعض شعر رويشا، قدرته أكثر، وحين إلتقيت به شخصيا لمست ما مدى تواضعه و مدى تجدر حسه الفني.
أتسأل هل من وجه شبه بينك وبين رويشا الحقيقي؟
أم أن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد انتحال للقب عزيز على المغاربة.


إلى التي يهمها الأمر:

أرى أنني لست الوحيدة التي يهمها الأمر.


إلى فاطمة:

أزيول
جوابا على سؤالك حول اقتباسي من القرآن في غير سياقه، و إلى أي مدي يسمح بذالك؟
أولا: لست مفتية في الحلال والحرام. لكن لي ثقافة شرعية لا بأس بها.
يتملكني الأسلوب القرآني، و لا شعوريا أجدني أقتبس منه. القرآن أروع و أقدس نص، و لا يمكنني التطاول عليه و ليست لدي أية سوء نية حول الموضوع.
بإختصار لا يمكن الحديث عن تحريف كلام الله في مدونتي أولا: لأن النص لأصلي موجود و هو معصوم من ذالك.
ثانيا: حتى وإن استعملت سياقه فلم أدعي يوما أنه قرآن أو أنه وحي.
هذا من جهة. أما إذا كان تطاولي على الفقهاء هو ما أثارك، فأنا لا أتفق مع بعضهم و هذا ليس رفض شخصي بقدر ما هو اختلاف في الرأي.
و كما تعلمين في الإسلام لا يمكن الحديث عن قراءة أو تفسير واحد. فلقد اختلف علماء الدين في أبسط الجزئية، و كانسانة تحترم عقلها، لا يمكن أن أرضى أن أكون مجرد تابعة، بدون التفكير في من أتبع، هل هو فعلا الصواب أم أن هناك من هو أصوب منه.
أول مرة أحس أن هناك من لا يأخذ كلام تزارت على أنه من المسلمات.
فلكِ من تزارت كل التقدير و الاحترام.