" أكتب كي أبعث الحياة في الناس و في الطبيعة و في الأشياء" محمد خير الدين

11.25.2006

الوطن الموبوء




تدخل سيارة رمادية من نوع رونو، المؤشرة من سويسرا ميناء طنجة. قدَّم العائد للجمركي جوازا كتب عليه مصطفى المانوزي.
بالمقاعد الخلفية لسيارة كان يجلس ولدان متفاوتان في العمر؛ أكبرهما كان يرتدي نظارات طبية و شعره البني يلامس أكتافه الصغيرة؛ نظراته الهادئة توحي بنضج مبكر، رغم أنه لم يتجاوز بعد عتبة المرهقة.
الطفل الأصغر له شعر أسود تنسدل بعض خصلاته الناعمة على عينيه السوداويين، الواسعتين المتألقتين، اللتان تحملان نظرات فضولية لما يجري بالميناء.
قدم مصطفى المانوزي بطاقة هوية طفليه الملحقة بجواز سفره.
من الصورة تأكد الجمركي أن أكبر الأبناء اسمه" يوف إيثري" ("أجمل من النجم") أما الأصغر فكتب أسفل صورته "يوف أيور" ("أجمل من القمر").
أعاد الجمركي الجواز، و أوراق حيازة السيارة و بطاقة هوية الأطفال لمصطفى المانوزي، وعلق على تسميات الطفلين التي لم يفهم معناها قائلا:" لو كنت تسكن هنا لما سمحوا لك بتسمية ابنيك بهذين الاسمين الغريبة!"
ابتسم مصطفى المانوزي مستغربا، و قال و هو يعيد أوراقه إلى محفظته:" لهذا لم أبقى هنا!"
ظلا الطفلان يراقبان حركات الجمركي و كلامه مع أبيهما. و بين الفينة و الأخرى كان أصغر الأبناء يخرج رأسه من النافدة و يحملق في الجمركي الذي كان يفتش أمتعتهم.
صوت الرايس الحاج بلعيد* المنبعث من السيارة، يقاوم هدير المحرك، وكذا حركات الطفلين، لازمة الأغنية كانت تقول:
" إيستارا أوضار إينو بناقسي ( كفى رجلي تجولا)
أوراح إيضفر الغرض أولوين(قد استنفذت الرغبة في الترحال).
ما إن اجتاز مصطفى المانوزي طابور الجمارك حتى لمح لافتة كتب عليها:" مرحبا بكم في وطنكم"، تنفس الصعداء، ملأ رئتيه بالهواء، تساءل؛ آلا زالت رئتاه تتذكر هواء وطنه رغم تلوثها بنيكوتين السجائر و برطوبة جنيف؟
قاد سيارته في اتجاه أكادير، أحس بلهيب الشمس تلفح إيهاب يديه.
لم يتوقف كثير اللهم لأكل أو ليدخن بعيدا عن عيون ولديه. لولا الاضطرار لما توقف أصلا، فهو يحس بأن الصحراء تناديه، و طالما لم يصل بعد إلى الجنوب فهو لم يصل للمغرب بعد؛ فتمزيرت كلفظة أمزيغية التي تعني الأرض و الوطن هي اصطلاح لمسقط الرأس بالضرورة. و من ثمة فوطنه هو"توف العز" بقبائل أيت عبد الله، بإقليم تارودانت.
تذكر مصطفى المانوزي دوار "توف العز" حيث قضى طفولته الأولى، فهناك رأى القمر و النجوم للأول مرة، هناك أصابته أول لسعة عقرب قبل أن يتعلم كيف يحنطه في محلول مشتق من البنزين.
هناك تذوق المريس( خليط دقيق الشعير المحمص و اللبن) و بداز المحترق، و خبز إنكان.
مصطفى المانوزي يعتبر"توف العز" مغربه، و كره كثير تصنيف الحسن الثاني له ضمن المغرب الغير النافع أو بلاد السيبة، النعت الذي جعل الحاج محمد؛ أب مصطفى، يرحل منه هو وعائلته؛ فهو لن يبقى في منطقة يكرهاه مولاي الحسن، حتى و إن تجذرت جذوره هناك. فالبربر أوفياء يتبعون ملكهم حتى إلى قاع جهنم.
رحل الحاج محمد المانوزي من "توف العز" نحو المغرب النافع، وتحديدا بالقرب من الجرف الأصفر. حيث سيدرس مصطفى، و سيتحدث لأول مرة العربية، و يكتسب مع الوقت لكنة عروبية، تبعد شبهة تشلحية عنه. فقد كان لقب "الشلح" من النعوت القبيحة في ذالك الزمان.
صرامة الحاج محمد المانوزي كان لها الفضل في تفوق ابنه البكر دراسيا، و بالمقابل حرمت مصطفى من أن يعيش عبثية الطفولة.
لكن على كلا فتفوقه في الدراسة، و منحة مكتب الشريف للفوسفاط، مكناته من الالتحاق بأعرق جامعات أوربا.
ككل المنحدرين من بلاد متخلفة، كان يسيطر على مصطفى وهم قائل بأن الأشياء تحدث بعيدا عن بلاده في مكان آخر ربما في لندن أو جنيف أو باريس...
حين قصد مصطفى أوربا لأول مرة، كان يحمل معه كل عبق سوس الممزوج برائحة الفوسفاط، يحمل معه ستون حزبا حفظها في تمزكيدا(المسجد)، مع الأربعين النووية، وشيء يسير من ألفية ابن مالك في النحو، ككل ءيمحضارن (طلبة العلم الشرعي) بسوس.
إلى غربة أوربا حمل معه دعاء أمه لالة فاضمة؛ بالتوفيق و الحفظ الإلهي من شر إيرومين(النصارى) دعاء مزجته بدموعها و هي تودعه.
حمل أيضا وصايا الأب، و دليل الخيرات للجزولي؛ الكتاب الذي يتبرك البربر حتى بمجرد حمله.
جدته لأمه أهدته قبل رحيله؛ كيس به حفنة من تربة"توف العز"، و نظرت إلى عينيه و قالت بصوت جلجلته الشيخوخة:"نحن لم نسكن عبثا أرض"توف العز"و لم نسميها كذالك اعتباطا."
قبل أن يركب طائرته الأولى؛ علقوا له حرزا؛ به آية الكرسي كتبت بالسمح، و قطعة كبريت، و ريال حسني فضي، غُلف الحرز بصفيحة نحاسية؛ اعتقدوا بأنه سيحميه من العين، و سيعيده إليهم سالما غانما بإذن الواحد الأحد.
حين يعيد الآن مصطفى شريط أيامه؛ يتذكر سذاجة ذاك الشلح "البوجادي" حين وطئت قدماه أول مرة باريس؛ جاء بظلاميته إلى مدينة الأنوار. جاء بغيبيات دينه إلى مدينة لائكية. حمل شظف و ارتجالية المدارس العتيقة ليتخصص في الإبستومولوجيا، ترك دفئ حضن أمه فغدا وحيدا في مدينة الضباب.
بعد أزيد من عشرين سنة من ذالك اليوم البعيد، القريب من ذاكرة مصطفى المانوزي، صار يعتقد أن باريس أولا و جنيف ثانيا، قد أعطتاه الكثير؛ فهما من جعلتاه يتحرر من قيود مجتمعه ذوا البنية التقليدية العقيمة، هما من علمتاه كيف يعيش متع الحياة بلا حدود، علمتاه أن الندم لا يحالف الحياة، أنضجتا علاقته بالمرأة، و أعطتاه الفرصة لتنفتح ثقافته أوسع من دوار "توف العز" و جدلية المغرب النافع و الغير النافع.
باريس تنشر رذاذها على كل ذاكرة مصطفى، ففيها التقى بفردريك المرأة التي أحبها بجنون. ما أروع جنوب باريس حين كانت فريدريك معه؛ في جنبات قصر الملك ماجورك غازلها، و في ساحة الكاتدرائية قبًّلها، وفي متحف "هيسن ـ ركو"داعبها، ونقوش المعمار الكتلاني الذي يذكر بالعهد الإسباني كان يؤجج فيهما ألف رغبة جامحة.
صمد حبهما لأزيد من سبعة عشر سنة؛ و حين مل انسل راحلا ذات صباح، بعد أن صار جسد فريديريك؛ الذي أوى ذات يوما ذالك البربري الشريد؛ صار هو الأخر غربة و منفى تصرخان بشاسعة الفوارق بينهما.
بعد طلاقه أصبح مصطفى يعود كل صيف إلى المغرب مع طفليه.
هذه السنة، قضى مصطفى الأسبوعين الأولين من عطلته الصيفية رفقة ابنيه " يوف يثري" و "يوف أيور"بين الزيارات العائلية و السياحة المحضة في كل من أكادير و مراكش و الصويرة، و أسفي.
اِمتنع عن التدخين، و عن لقاء النساء، و كرس كل وقته لطفليه.
على شاطئ أكادير تراءت له امرأة كانت تنصب مضلتها على مقربة منه، كانت ترتدي ميو أزرق داكن، و تقرأ في كتاب بعد أن دقق نظره في حروفه الاثينية وجد أنه لإمين كوي. تأمل الجسد المنشور تحت الشمس. تعجب أن تكون هذه بنت بلاده؛ لقد كان يعتقد أن نساء بلاده مجرد جاهلات يحددنا إقامتهن في أربعة أمتار من الثوب، نساء مزوشيات؛ نساء وهبن حريتهن قربان لرجال.
أجساد تشبه المكان؛ دافئة كحرارة الجو، لكن تعيش تقشفا و قحطا في الحب، كأرض سوس التي أنهكتها سنوات الجفاف.
أجساد تتعالى على الرغبة فكثر الزّهاد و ءيهياضن بسوس.
نساء يستغنين بالكحل عن أغلب المساحيق، ربما ليبرزن شيء يخفينه في عيونهن، تخرس ألسنتهن عن البوح به.
ظل مصطفى يتأمل تلك المرأة صاحبة الميو الأزرق، كانت أروع من على الشاطئ، كانت تسبح و تتشمس و تقرأ.
غرق مصطفى في استهامته التي حاول إخفاءها عن طفليه اللذان يلعبان بجواره، فهو حريص على أن يكون نموذجا لهما.
قبل مغادرة الشاطئ، ألقى مصطفى نظرة أخيرة على تلك المرأة التي لا يبدو عليها حتى أنها لاحظت شغفه، لقد بدت و كأنها منفصلة عن هذا العالم غير آبهة لما يدور حولها، و كأن لا أحد سوها بالشاطئ، وحده جسدها البرونزي الذي يلمع تحت الأشعة، يوحي بالحياة.
كتم مصطفى المانوزي حنينه لحريم بلاده، و إن كانت عيناه لا تكفان عن
ملاحقتهن في الشارع، لقد مكنته الإشارات الحمراء حين يتوقف بسيارته أن يتتبع الراجلات؛ أجساد ممتلئ، وبطون مثنية و نهود شاهقة، و أخرى نحيفة ممشوقة و كأنها نحث في عود العرعار.
صوت الحاج بلعيد وحده يؤكد له عبثية التفكير في لمس تلك الأجساد العابرة، يصدح قائلا؛ و كأنه اختبر إحساس مصطفى؛
مقار تلا توگ أر أفود(حتى و إن نمى العشب إلى الركب)
ءيلين ءيزمارن( وكانت الخرفان جائعة)
ءا لعزيب ءورك ياد لكمغ(أنا عاجز عن الوصول إليك أيها المرعى)
يتبع.
---
*مغني سوسي من منطقة "ويجان" جنوب شرق مدينة تزنيت، توفي لأزيد من نصف قرن

21 commentaires:

Anonymous thiyni a dit...

بالرغم من انى اعتبر امازيغية الا انني اتوق لفهم والحديث بتشلحيت...
رائعة في انتضار التتمة....

3:29 PM

 
Anonymous مشيشة a dit...

رائع يا تزارت
رائع

قبلاتي

8:17 PM

 
Blogger Mourai Radouane a dit...

trés jolie, trés touchante cette histoire et trés intriguante à la fois.
j'attends la suite avec impatience

12:24 AM

 
Anonymous BLUESMAN a dit...

سلام
جميل جدا ان تكتبي عن عائلة المانوزي فتاريخها يرتبط بفترة مهمد من تاريخ المغرب
اتيحت لي الفرصة للقاء بعض افراض العائلة اثناء بعض التجمعات مواقفهم لا يمكن الا ان تحترم
في انتظار قراءة البقية

2:10 AM

 
Anonymous razan a dit...

Good Post

3:31 PM

 
Blogger linda a dit...

جميلة هي هده المدونة

6:16 PM

 
Blogger tazart a dit...

a thiyni:

أجي نعلمها لك بكل فرح
شكرا على الإطراء

11:57 AM

 
Blogger tazart a dit...

إلى مشيشتي العزيزة الغالية
لقد قلعت ضرسا البارحة لدالك لا أستطيع رد قبلتك بأخرى...

12:00 PM

 
Blogger tazart a dit...

a mourai radouane

شكرا، سأحاول الإسراع بالتتمة لكي لا تنتظر كثيرا

12:03 PM

 
Blogger tazart a dit...

a bluesman:

لقد نبهتني ملاحظتك إلى خطاء فادح قمت به هو عدم اشارتي بأن أي تشابه بين شخصية النص و شخصية حقيقية هو محظ الصدفة و ليس متعمدا من طرف الكاتبة... لكن على كلا بما أنك تقول بأن مواقفهم تحترم فسأسعد بلقائهم رفقتك..

12:07 PM

 
Blogger tazart a dit...

razan:

شكرا على الزيارة

12:08 PM

 
Blogger tazart a dit...

linda
شكرا

12:09 PM

 
Anonymous Anonyme a dit...

حساسية عالية في السرد و نافذة على ثقافة اخرى بانتظار المزيد منها

12:52 PM

 
Anonymous anima a dit...

iwa wa man ba3d?

1:13 PM

 
Anonymous thiyni a dit...

تازارت لا اشك في كرمك. لكن كيف السبيل الى دلك.. ان وجدت لي حلا ساقايضك بالريفية

3:39 PM

 
Anonymous slix a dit...

wow...tres bo le texte et surtt tres realiste...il décrit bien la vie d'un chle7 zmagri :)

j'ai une cousine qui a comme 2eme nom : touf itri :)

Tssa9ssat iyi 7 ssa7t...awa ssa7t adoukan tennit...mich mattiran...mattissiguil...ghernt, tount.

2:15 AM

 
Blogger tazart a dit...

a rat

نا فعلا أشكو من الحساسية المرضية، و دكتوري تعب من تجريب عقارته علي هل أجد لديك علاج لها؟

11:40 AM

 
Blogger tazart a dit...

a anima:

ديكشي ليمن بعد ركي عارفه

11:41 AM

 
Blogger tazart a dit...

thiyni:
أحيانا نقنع بجهلنا إدا لم يكن هاك بدا منه.

11:43 AM

 
Blogger tazart a dit...

a slix
zr is dark kra n ton cousin.. ima ta cousine ad kt yaj rbi, orayi tnf3o s yat...

11:46 AM

 
Anonymous Thiyni a dit...

تزارث تشكارغشم على الحل لكنني لن اقنع بجهلي...

2:59 PM

 

Enregistrer un commentaire

Abonnement Publier les commentaires [Atom]

<< Accueil