" أكتب كي أبعث الحياة في الناس و في الطبيعة و في الأشياء" محمد خير الدين

11.07.2006

لقاء ميتافيزيقي (تابع)


اختفت التجاعيد من الوجه، و الرأس لم يعد مغطى بالرزة البيضاء؛ فبرز الشعر الأسود القصير و شامة متألقة بالجهة اليمنى من العنق..
في البداية ظننت أنني من كثرة الحرارة ضعف تركيز الرؤية عندي، فأدرت رأسي نحوه؛ فتأكد لي صحة ما رأيت في المرآة.
صدق أو لا تصدق العجوز الذي كان يصارع الموت قبل لحظة تحول إلى شاب، و حدها الفوقية الزرقاء هي التي لم تتغير. كانت الصدمة أكبر مما أحتمل فبدأت أصرخ و أبسمل و أحوقل، أوقفت السيارة وطلبت منه النزول حالا، حاول تهدئتي و أن أسمح له بأن يشرح لي، لكن لم أكن في مزاج حتى لأسمع نفسي، علا صراخي و ولولاتي اتسعت عيناي. خرجت من السيارة و بدأت أصرخ في الشارع" جن في السيارة..".
كنت خائفة و لساني بين البسملة و الصراخ. حين نزل و حمل كيسه و عمامته، قفزت إلى السيارة و أدرت المحرك بسرعة جنونية. من المرآة رأيته يتابع سيره، خفت أن يلحق بي فأسرعت.
كانت"امرمان" هي كل ما يفصلني عن الصويرة؛ لم أدري متى اجتزتها. حين تراءت لي الصويرة و شجيرات أركان أحسست بالأمان.
قصدت وسط المدينة، حيث يقضي عمي عبد الله و زوجته فاطمة الزهراء (أو فاتي كما يناديها هو) عطلته السنوية بعد عودتهما من أمريكا.
حين طرقت الباب سمعت صوت عمي خلفه، فما إن فتح لي حتى ارتميت عليه و أجهشت بالبكاء. ظل يسأل مذهول ما الأمر؟ لكن الدموع خنقت صوتي، فلم أتمكن سوى من ترديد كلمة الجن الجن، أدخلني و هو يضحك فلقد ظن أنني أمثل عليه، لكني ما فتئت أكد له أنني رأيت جني و أنه كان معي بالسيارة، لكنه لم يصدق شيء مما قلت، و جعل يضع يديه على جبهتي ليفحص حرارتي، و قال:" هل تناولت الغداء؟" حين أجبته أنني لم أكل شيء منذ الصباح قبل أن أذهب إلى إذا وثنان لأزور المقبرة.
كنت أحكي له بصوت ملأته الدموع التي احتقنت في عيني طيلة الطريق، بلغ صوتنا مسمع زوجته فاتي فجاءت إلى الغرفة؛ كنت أعرف أنها لن تصدقني أكثر من عمي؛ فهي أصلا لا تطيقني، و ربما اعتقدت أنني إنما لفقت تلك الحكاية لأخترق وحدتهم الرومنطيقية.
قصد عمي المطبخ ليحضر لي ما تبقى لهم من الأكل فالساعة كانت تتجاوز الثالثة زوالا. وضع أمامي طبق به سمك مقلي، وطبق به سلطة. و قال:" حين تنتهين من الأكل سنستمع لك." حملقت فيَّ زوجته، و نظراتها الحانقة توقظ فيَّ الرغبة في استفزازها أكثر،أعرف أنها تغار من علاقة عمي بي، فنظرا لأن عمي لا يكبرني سوى بثمان سنوات؛ فقد كان دوما الأقرب إلي، كان يحكي لي عن مغامراته العاطفية، سوء حين كان بالمغرب أو حتى حين هاجر للدراسة ثم العمل في أمريكا.
أذكر أنه مرة وصلتني رسالة من أحد مفطور القلب فقرأتها عليه، أعجبه كثيرا الأسلوب التي كتبة به، فأخذها و أعاد كتابتها بيده و بعث بها إلى إحدى المتمنعات عليه.
ربما كثرة هذه الأشياء المشتركة بيننا، هو ما يغيض زوجته الآن، فهي تتذمر لأنني أعرف عن عمي أكثر مما تعرف، ولأنه كلما عاد إلى المغرب يحرص على أن نقضي العطلة معا، و كثيرا ما كنا نتهامس في حضورها فلا يعجبها الأمر، فتشدد الخناق علي.
المهم بعد الأكل حكيت لعمي تفاصيل ما حدث معي، هو حار بين تصديقي أو تكذيبي، أما زوجته التي كانت منهمكة في طلاء أصابع رجلها؛ فكانت ترفع إليَّ نظرات تكذيب صريحة. على رغم من ثقة عمي بي، إلا أنه لم يستسغ فكرة تحول رجل من شيخ في الستين إلى شاب في الثلاثين، بمجرد أن لعق إصبع عسل من يدي. و أسند رأسه إلى صدري.. لم يزد عمي عن قوله بأن حكايات جدتي عن الجن و عن عيشة قنديشا و كل شخوص العالم الماورائي قد أذهبت برشدي، فتوحد بي المحكي إلى درجة أني صرت أتوهم حضوره الفعلي في حياتي.
تعبت من الشرح لهما بأنني كنت في كامل قواي المنطقية، و أنني لم أتخيل شيء.
حين لم يجدي شرحي استلقيت، و قبل أن يتسلل إليَّ النعاس؛ أحسست بهما يغادران الغرفة و يغلقان بابها علي.
استفقت و عمي عبد الله يهزني قائلا:" لما تصرخين؟هل أنت بخير؟"
انتبهت فوجدت وجهي يقطر عرقا، و حلقي جاف، بعد أن قدم لي ماء قال:" لماذا تصرخين و أنت نائمة؟"
قلت:" لقد رأيت ذالك الشيخ الذي تحول إلى شاب في الحلم، و كان يهمس لي بالأبيات ذاتها!"
قال:"أية أبيات؟"
استظهرت عليه الأبيات التي لحد الآن أستغرب كيف حفظتها بتلك السرعة!
أنهضني عمي و قال:" هذه مجرد هلوسة، لماذا لا تستحمين و ستشعرين بالتحسن؟"
حين خرجت من الحمام، و جدتهم قد أعدوا القهوة. جلسنا جميعا نرتشفها، و التلفاز كان يذيع نشرة السادسة.
احتسيت قهوتي في صمت، و ظل عمي يتفحصني بنظرات قلقة. قال:" هل سترافقنا إلى حضرة كناوى؟" يقصد مهرجان كناوى الذي ما قصدنا الصويرة إلا من أجله.
قالت زوجته متحمسة:" لماذا لا تتركها ترتاح الليلة و تحضر معنا السهرة الختامية غدا؟" أجبت:" لا سأذهب معكم، فلا رغبة لي في البقاء وحدي."
قهقه عمي قائلا:" هل تخافين أن يزورك الذي أعدت شبابه إليه؟ لو كنت مكانه ما فارقتك أبدا! لكن هل ستردين على عمك شبابه حين يشيخ هو الأخر؟ على كل الأفضل أن تأتي معنا فربما سنغادر الصويرة غدا." لم أكن في مزاج لمجادلتهم فاكتفيت بالصمت.
خرجنا نحن الثلاثة نجوب أزقة الصويرة و عرجنا على الصقالة؛ لنطل على البحر، كانت أسراب النورس توقظ في الأعماق الإحساس بالفراغ، بضلالة الفكر، و بالرغبة في قضاء ما تبقى من الحياة في صمت.
رؤية البحر الهائج المائج يوحي بعبثية الأسئلة التي نقلق أنفسنا بها لا لشيء سوى لنتعجرف بذواتنا المفكرة، و نتشدق بأحلامنا في الحرية، ونظل أسرى لقوالب نرسمها ونتحجر بداخلها؛ و نعتقد أنها وحدها الحق.
أما الغروب الصويري فأروع ما شهدت، لا أدري لماذا كلما رأيت الغروب في أي مكان من العالم تطن كلمتي الرحيل و النهاية في رأسي.
ذالك بعض ما راودني و أنا على البحر، حيث كنت أجلس صامتة بجانب عمي و فاتي.
حين أرخى الليل سدوله؛ كما قيل في غابر الزمان؛ غادرنا البحر و قصدنا مطعما لنتناول العشاء.
ثم غادرنا المطعم صوب ساحة المهرجان؛ كانت الساحة مكتظة عن أخرها، وقفنا في الصفوف الأخيرة، رغم طولي لم أتمكن من أن أبصر بوضوح الفرقة التي اعتلت المنصة؛ كنت أجتهد لأقف على أصابع رجلي، حين لم يجدي الأمر اكتفيت بالإنصات للموسيقى.
كان كل من حولي يقفز في انتشاء حتى عمي و زوجته ما فتئا يقلدان قفزة القردة، أحب تلك الموسيقى، لكن ليس إلى حد الصياح بالميمون و عيشة مثل عمي.
كنت الجسد الهادئ الوحيد في ذالك الجمع، من طرف عيني لمحت جسد ساكن على مقربة مني تقفز الأجساد، و تعلو الأيدي، و هو باق دون حراك.
قلت في نفسي:" حمدا لله لست المغفلة الوحيدة هنا."
التفت اتجاهه، هل ستصدقني؟ لقد كان هو ذاته ذالك الرجل.
اقتربت من عمي ببطء.
همست في أذن عمي:" إنه هنا؟"
قال:" من هو؟"
قلت :" الرجل الذي حملته من إذا وثنان."
تفرس في من أشرت إليه. ثم نظر إلي باستغراب و قال:" هل هذا هو من أعدت إليه شبابه؟" أشرت برأسي نعم. قال:" إذا اتركيه فسوف يصرعه الميمون أمامنا و سيكشفه الجْوَدْ حالا." وجود عمي معي وهبني الإحساس بالأمان، بقيت طيلة السهرة متأبطة احد ذراعه و زوجته بذراعه الأخرى، حين تعب نهرنا قائلا:" هل ستقودانني إلى السجن، الرجال يتمنون امرأة واحدة لتمسك بهم، و أنا تعتقلني اثنتان لا أدري هل أنا في نعمة أم نقمة"
قلت:" أما أنا فنعمة." فتنحنحت زوجته.
كنت أنظر بطرف عيني صوب ذالك الرجل/الجني، تبين لي أنه على قدر من الوسامة، لو أنه فقط حدثني؛ لكنت عرفته بعمي و زوجته، عله يؤكد لهما صدقي.
لكن لم يبدو عليه أنه قد رآني، من المؤكد أنه لم يراني!
بعد نهاية السهرة عدنا إلى البيت، كان الوقت يقارب الفجر خلدنا إلى النوم، في الغد كنا نحزم حقائبنا لنغادر الصويرة، لم نحضر الحفل الختامي للمهرجان، ولم يودعني أحد.
هل سأزور إذا وثنان الصيف القادم؟!

6 commentaires:

Anonymous Thiyni a dit...

لا شك لدي في صدقك. فانت حقا قادرة على تحويل و تجميل اي شيء باصابعك..
لا يسعني الا ان اقول جميل جدا..
فليحفضك الله من الجن والانس معا
سلام

3:26 PM

 
Anonymous anima a dit...

سلام قولا من رب رحيم
ما تبقايش تسافري جلسي في داركم راني نخاف عليك
ولا عرفت أنا نجي معاك

3:46 PM

 
Blogger مريم الجميلة a dit...

لقد صدقتك وصدقت جنك وصدقت ان قصتك رائعة جدا تستحق مني ان اعيد قراءتها مرات....تحياتي لك

7:43 PM

 
Anonymous nomade a dit...

c fou ce que les amazigh se ressemblent quand il s'agit de raconter des contes .... qu'ils soient du grd atlas du moyens ou du rif leurs hitoires sont toujours riches en djines, ghoul,...... j'aime bien ton style que ça soit en arabe ou en français et je compte bien lire toutes tes histoires ......

9:05 AM

 
Blogger Rouicha a dit...

li bayn liya khliati al motafarrijin fi al halka bhad lhjaya ta ouahed mabgha ihdar 3la jnoun al mohim
اورك نكديب ماش أور كن كلو نومين
إمي نون بولحروب إخف نون أمتال
تحياتي الخالصه

8:17 PM

 
Blogger مذكرات امرأة مثلية a dit...

أولا اشكرك على زيارتك لمدونتي..نورتي
اسمحيلي ان اتجول قلبلا في مدونتك اظن انها تستحق القراءة
مع تحباتي...

6:53 PM

 

Enregistrer un commentaire

Abonnement Publier les commentaires [Atom]

<< Accueil