" أكتب كي أبعث الحياة في الناس و في الطبيعة و في الأشياء" محمد خير الدين

11.03.2006

لقاء ميتافيزيقي


وصلت إلى المقبرة الواقعة خارج الدوار، كان سورها القصير قد تهدم من إحدى الجهات.
وقفت على قبري جدي و جدتي اللذان كان يفصلهما قبر زوج خالتي و قبر جدة أمي.
كادت الحرارة لتفقأ عيني، و كدت ألعن الفكرة التي قادتني في ذالك اليوم الشديد الحر إلى إذا وثنان*، آ لهذا الحد أنا بارة بأسلافي!
جلست تحت شجرة أركان المنتصبة عند رأس القبور، غريبة أمر تلك الشجرة؛ فرغم المكان المقفر القاحل إلا أن أوراقها بقيت خضراء!
دعوت للموتى بالرحمة، ثم غادرت المقبرة بحذر كي لا أدوس على قبر من القبور المستوية على الأرض، و التي كدت لا أميزها لولا تلك الحجرة المنتصبة جهة الرأس؛ بعضها قد كتب عليها أسماء أصحابها و تاريخ وفاتهم، و البعض الأخر لم يكتب عليها شيء، و قبور أخرى فارغة في انتظار أصحابها؛ تذكرت وصية أحد أفراد عائلتي الذي توفي في بلجيكا و كانت وصيته تلزم ورثته بنقل جثمانه إلى إذا وثنان. تساءلت لماذا يتعلق الإنسان بأرض ما، حتى حينما يغدو جثة؟
غادرت المقبرة تاركة السيارة هناك، و أنا أجوب الدوار، لم أصادف أحد من سكانه، وبدا و كأنه مهجور لا يقطنه أحد سوى سكان تلك القبور؛ أكيد أن حرارة الشمس هي ما منعت الناس من الخروج؛ ربما فضلوا ترك الأعمال التي تقتضي منهم مغادرة بيوتهم الطينية الباردة.
البنية المرفولوجية لدوار لم تتغير كثيرا؛ لذا لم أجد صعوبة في تذكر الطريق المؤدي إلى الدكان الوحيد به. طلبت من البائع قنينة ماء معدنية، ذهل للحظة ثم قال:" لا نبيع الماء، ثم أضاف، سأجلبه لك من بيتي." دخل من باب صغير بالدكان لا يمكن المرور منه إلا بانحناء الظهر. نظرت إلى السلع التي علاها الغبار، والزجاج الذي لم يعد يظهر ما ورآه من كثرة برز الذباب عليه.
بعد لحظات عاد البائع؛ الذي كان يرتدي فوقية مخططة بالأبيض و الرمادي، من فتحة صدرها كانت يظهر "تي ـ شورت" أزرق قد تآكل و باهت ما حول الرقبة. كان يشارف عقده الرابع، مد لي كأس به ماء شربته كان باردا أحسست بسريانه في جوفي أعدت له الكأس، و قدم لي قنينة كوكا بلاستيكية مغلفة بخيش مبلل ملأها بالماء حين وجد يدي لا تمد إليها، قال:" خذي هذه معك، إنها باردة " قال ذالك و نظراته الفضولية تجتاحني من رأسي حتى قدماي.
لرد جميله فكرت في شراء شيء، لا أدري ما الذي قاد نظري إلى قنينات ماء الزهر التي كانت بأعلى الرف؛ فقلت:" أعطيني قنينة".
صعد سلما خشبيا و قال و هو ينزل بعد أن أرًَّقه الفضول:" من أنت؟"
قلت:" أنا تزارت ؤ محمد ؤعدي"، تذكرت أن أبي قد غادر الدوار منذ زمان بعيد؛ فمن المحتمل أن لا يعرفه فأضفت:" حفيدة الحاج الحسن ؤعدي." ما إن سمع الاسم حتى أبتسم و مد يده إلي، صافحته و رحب بي و دعاني للغذاء لكنني اعتذرت، فألح في طلبه فلم يسعفني سوى الكذب لتخلص منه فتذرعت بأن أفراد عائلتي تنتظرني بالسيارة بجانب المقبرة، لكن هذا لم يزده إلا إلحاحا في دعوته، و ذكر بأن جدي كان صديق أباه.
اعتذرت بامتنان أعمق، و وعدته بأن ألبي طلبه في المرة المقبلة.
غادرت دكانه، وعدت مسرعة إلى السيارة و أنا أحمل قنينة ماء الزهر ذات الزجاج الأخضر، و قنينة الماء الملفوفة بالخيش؛ تصورت نفسي من البدو الرحل أو كعجوز تنوي زيارة ضريح ولي الله علها تنال البركات.
قدت و أنا أنوي قطع المسافة مباشرة إلى الصويرة عل اعتدال جوها ينسيني ذالك الحر.
بعد أن قطعت أول كيلومتر بعد أن انحرفت يسارا عن إذا وثنان وسلكت الطريق الوطني رقم1. كنت قد مررت بإشارة تشير إلى أنني على مشارف " تمنار" لمحت من بعيد طيف إنسان جالس بجانب الطريق، حين اقتربت تبين، من فوقيته الزرقاء من الطراز الصحراوي، أنه رجل عجوز ربما في الستين من عمره. يضع عمامة بيضاء على رأسه، أمامه كيس بلاستيكي أسود.
أشار بيديه إلي، لكنني لم أعباء به، واصلت طريقي؛ كنت في عجلا لأصل إلى بيت عمي في الصويرة، الذي تخيلته و أنا في ذالك الحر و كأنه جنة عدن.
حين تجاوزته بمسافة معقولة استبد بي الإحساس ببشاعة ما فعلت، فكيف سمحت لنفسي بترك ذاك العجوز في ذالك الحر؟ ماذا لو كنت أنا في مكانه؟ ماذا لو أن الله قد وضعه في طريقي امتحانا لي؟
عكست اتجاه المقود عائدة إليه. حين وقفت بجانبه لم يتحرك حتى أشرت إليه قائلة:" ماني تريت آ الحاج؟" (إلى أين أنت ذاهب؟) فجاء يجر خطاه و قال:"تصورة" (الصويرة) أجبته أنها وجهتي، فتح الباب الخلفي و جلس. على المرآة انعكست تجاعيده بأعلى جبينه و حول فمه. أطفأت شريط:


"when you say you love me" Joshi Groban


فقد ظننت أنه من غير اللائق استفزاز هذا شيخ السوسي بتلك الكلمات.
ضل العجوز منذ ركوبه معي يهمهم بكلمات لم أتبينها، تذكرت صوت جدي الحاج لحسن ؤعدي؛ الذي ألح على أبي أن يسميني تزارت، و الذي كان عقب صلاة العشاء يدعوا بصوت منخفض يشبه صوت هذا الغريب.
انتبهت للعجوز خلفي يقول:" هل تحفظينها؟" قلت:" ما هي؟"
فردد بصوت متحشرج:"
أمِنْ تَذكِّر جيرانٍ بذي سَلَمِ مَزَجْتَ دَمعاً جرى مِن مُقلةٍ بِدَمِِ
أم هَبَّتِ الريحُ مِن تلقاءِ كاظِمَةٍ و أومَضَ البرقُ في الظلماءٍ مِن اِضَمِ
فما لِعَينيك إِنْ قلتَ اكْفُفَا هَمَتَا و ما لقلبكَ إنْ قلتَ استَفِقْ يَهِمِ
أيحْسِبُ الصَّبّ أنَّ الحبَّ مُنكَتِمٌ ما بينَ منسجِمٍ مِنه و مُضطرمٍ
ولولا الهوى لم تُرقْ دمعاً على طَللِِ ولا أرقتَ لِذِكْر البان و العَلَم
فكيفَ تُنْكِرُ حباً بعدما شَهِدَت به عليك عُدولُ الدمعٍ و السَّقم
و أثبَتَ الوَجْدُ خَطَّى عَبْرَةِ و ضَنَى مثلَ البَهَارِ على خَدَّيك و العَنَم
نعَم سرى طيفُ مَن أهوى فأرَّقنِي و الحُبَّ يعتَرضُ اللذاتِ بالألمِ
يا لائِمي في الهوى العُذَّريِّ مَعذرَةٌ مِنَّي إليك و لَو أنْصَفْتَ لَم تلُمِ
عَدَتْكَ حالي لا سِرِّي بِمُسْتترِ عن الوُشاةِ و لا دائي بمُنحَسِمِِ
مَحَّضْتَنِي النُّصْحَ لكِنْ لَسْتُ أسمَعُهُ إِنَّ المُحِبَّ عَنِ العُدَّالِ في صَمَمِ
اِنَّي اتَّهَمْتُ نصيحَ الشَّيْبِ في عَدُلِي و الشَّيْبُ أبْعَدُ في النُّصُّْح عَنِ التُّهَمِ

كانت نبرات صوت العجوز تزداد عند بعض المقاطع دون غيرها أنصتت إليه بكل خلاياي السمعية و الذهنية، سارت القشعريرة بكامل جسدي، فقدت تركيزي على القيادة فركنت جانبا، و طلبت منه أن يعيدها فأعادها لكن صوته كان يظهر عليه التعب مع توالي الأبيات؛ أوقف الإلقاء عند أخر بيت كتبته هنا، و قال بصوت واهن:" هاتي البردة أياد"( إنها أول مقطع من بردة البوصيري)
انبهرت بقوة ذاكرته التي لم تتجعد مثل وجهه و لم تهن مثل صوته.
أدرت المحرك من جديد لمتابعة القيادة، رأيته يسند رأسه إلى الكرسي و يصدر تأوهات ضعيفة، استدرت إليه و سألته إن كان على ما يرم، لكن صوته كان أضعف من أن يجتاز حلقه. أخذت قنينة الماء و فتحت الباب مستديرة إلى الباب الخلفي؛ لأقدم له الماء بعد أن عجز عن مد يده ليأخذه مني، رفض أن يشرب و أشار إلى كيسه، فتحته فوجدت به ثوب ملفوف، و قنينة زجاجية بها شيء قاتم اللون يشبه العسل، سألته إذا ما كان هذا ما يبحث عنه فأومأ برأسه إيجابا، فتحت القنينة و قربتها منه؛ لكن يده سقطت على المقعد دون حراك، رفعت القنينة إلى فمه لكن العسل كان سميك فلم يسيل منه شيء. اِشتد بي الرعب؛ خفت أن يموت بين يد. رججت القنينة عل العسل ينزل، لكن دون جدوى فأخذته بإصبعي و حاولت فتح فمه بيدي الأخرى؛ ولقمته إياه.
أغمض عينيه و أسقط رأسه على كتفي؛ صعقت كدت أبكي بدأت أهزه، و أرجوه أن يستفيق:" يا إلهي لا تجعله يموت الآن...".
استبد الخوف و اليأس بي و أنا أراقب تنفسه الضعيف، تركت رأسه على صدري اللاهث و دقات قلبي القوية؛ تخترق رأسه لكنه بدا وكأنه ليس في هذا العالم بتاتا.
كنت مذعورة و مستعدة لأن أفعلا أي شيء فقط ليبقى على قيد الحياة؛ ففي حياتي لم أرى ميتا فما باله لو مات على صدري..
تذكرت قنينة ماء الزهر فرششتها عليه، لكن دون جدوى.
بعد لحظات حسبتها دهرا؛ بدأ العجوز يتحرك، و يفتح عينيه.
سألته إن كان بخير، فأجاب:" نعم" قبَّلت رأسه و يديه من شدة فرحي؛ لا أدري هل كنت سعيدة بأنه بخير أم لأنني نجوت من أن أتهم بقتله؟
عدَّلت جلسته، و أشربته شيء من الماء، وعدت مسرعة إلى الأمام و أدرت المحرك من جديد، رفعت من السرعة لأوصله إلى الصويرة قبل أن يدركه عزرائيل و هو معي.
كنت قد اجتزت " سميمو " و بدأت أقترب من "امرمان"؛ حين نظرت من المرآة لأطمئن على العجوز المحتضر، لكن الوجه الذي انعكس لم يعد يشبه الوجه الذي رأيته قبل لحظات!
لا أدري هل ضعف بصري أم أن الذي كان يركب خلفي لم يكن مجرد ذات بشرية ثابتة
الملامح؟

يتبع...


----
*شمال شرق أكادير

6 commentaires:

Anonymous amazigh25(adam) a dit...

Salut
Si tu n'avais pas préciser le nom du village j'aurai pensé que tu étais une tante lointaine !!! Dans notre village on dit que notre ancètre est un 3adi !

Si tu veux venir demain au Blogmeet de Agadir (Enfin si tu es toujours sur Tassourt :) ), mrehba bik !

Adam

7:03 PM

 
Blogger Rouicha a dit...

sabah al khair
ba3da al ittila3 kana mayahommoni aktar an a3rifa 3anki kolla chai fakad sabaka oua oua3adtini an tokhbirini 3an kissat TAZART anadak konto adonno annaho ism mosta3ar lakin al an adrakto annaho ismoki famahia al kissa
3azizati
adonno annaho min khilali al ouatikat allati lam tantahi ba3d
tamakkanto min taghyir afkar konto olsikoha bi chakhsiat TAZART
tahiyati al khalissa
jibi m3ak al ka3k min tassourt

10:46 AM

 
Anonymous Anima a dit...

على سلامتو و على سلامتك آلالة
الناس اللي عندهم سيارة
ايوا ملي جيتي الصويرة طرقي الجديدة و آجي نشوفك
moi aussi j aime bien when you say you love me de josh groban

1:30 PM

 
Anonymous ميلود الشلح a dit...

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
أزول فلام أولتما تزارت، بصراحة لقد اكتشفت مدونتك الرائعة للتو، أعجبتني كتاباتك كثيرا... رائع وجميل... أرجو الإستمرار ولا تنسي -أولتما- أن تشرفي مدونتي المتواضعة بزيارتها، ولك مني تحياتي الخالصة. ميلود الشلح.

3:16 PM

 
Anonymous Thiyni a dit...

سلام
والله شوقتينا متى ستكملين اللقاء
حفضك الله
تحياتي

3:21 PM

 
Blogger will a dit...

情趣用品,情趣,情色,成人,A片,自拍

情趣用品,情趣,色情,成人影片,色情影片,免費A片,A片

情趣用品,情趣,成人網站,A片下載,日本AV,做愛

情趣用品,情趣,美女交友,A片,辣妹視訊,情色視訊

情趣用品,情趣,色情聊天室,聊天室,AV,成人電影

情趣用品,情趣用品,情趣,情趣

A片,aio,av女優,av,av片,aio交友愛情館,ut聊天室,聊天室,豆豆聊天室,色情聊天室,尋夢園聊天室,080聊天室,視訊聊天室,080苗栗人聊天室,上班族聊天室,成人聊天室,中部人聊天室,一夜情聊天室,情色聊天室,情色視訊,美女視訊,辣妹視訊,視訊交友網,免費視訊聊天,視訊,免費視訊,美女交友,成人交友,聊天室交友,微風論壇,微風成人,sex,成人,情色,情色貼圖,色情,微風,聊天室尋夢園,交友,視訊交友,視訊聊天,視訊辣妹,一夜情

情趣用品,A片,AIO,AV,AV女優,A漫,免費A片,日本AV,寄情築園小遊戲,情色貼圖,色情小說,情色文學,色情,色情遊戲,一葉情貼圖片區,色情網站,色情影片,微風成人, 嘟嘟成人網,成人,成人貼圖,18成人,成人影城,成人圖片,成人影片,UT聊天室,聊天室,豆豆聊天室,尋夢園聊天室,080聊天室,080苗栗人聊天室,080視訊聊天室,視訊聊天室

a片,色情影片,情色電影,a片,色情,情色網,情色,av,av女優,成人影城,成人,色情a片,日本av,免費成人影片,成人影片,情色a片,sex,免費a片,a片下載,免費a片下載,成人網站,做愛,自拍

情趣用品,情趣用品,情趣,情趣

情趣用品,情趣用品,情趣,情趣,情趣用品,情趣用品,情趣,情趣,情趣用品,情趣用品,情趣,情趣,情趣用品
情趣用品,情趣用品,情趣用品,情趣用品.情趣,情趣,情趣,情趣
視訊聊天室

情趣用品,A片,aio,av,av女優,a漫,免費a片,aio交友愛情館,a片免費看,a片下載,本土自拍,自拍,愛情公寓,情色,情色貼圖,色情小說,情色文學,色情,寄情築園小遊戲,色情遊戲,嘟嘟情人色網,一葉情貼圖片區,色情影片,情色網,色情網站,微風成人,嘟嘟成人網,成人,18成人,成人影城,成人圖片,成人貼圖,成人圖片區,成人小說,成人電影

1:56 PM

 

Enregistrer un commentaire

Abonnement Publier les commentaires [Atom]

<< Accueil