" أكتب كي أبعث الحياة في الناس و في الطبيعة و في الأشياء" محمد خير الدين

11.29.2006

الوطن الموبوء/2



بنهاية الأسبوعين انتهت عطلت ابنيه، فعاد مصطفى المانوزي إلى مراكش ليقيلاهما إلى المطار ليلحقا بطائرتيهما نحو جنيف.
حين كان يقود سيارته وحيدا عائدا من المطار، لمح امرأة واقفة على الرصيف، كانت تستظل بظل لافتة كتب في إحدى جهاتها:" مدينة مراكش ترحب بكم" و في جهتها الثانية:" مدينة مراكش تشكركم على الزيارة"، ابتسم مصطفى محدثا نفسه:" شكرا أيتها المدينة على الترحاب!".
توقف بجانب الطريق؛ و أخرج رأسه من نافدة السيارة مخاطبا المرأة قائلا:"ما أقسى قلوب من مروا هنا، وتركوا الجمال يذوب تحت الشمس؟"
ما إن أتم جملته حتى كانت المرأة بداخل السيارة، نظر إليها؛ وجه مدور شديدي البياض لكثرة كريم الأساس الموضع عليه، وعينين عسليتين ضيقتين لكن الحكل زاد من حجم اتساعهما، و شعر أسود فاتح مربوط، به خصلات مسبوغة بالأحمر الأرجواني تتدل على الجبهة العريضة، ابتسمت فظهرت أسنانها الصغيرة المفلجة، جسدها كان يميل إلى الامتلاء و القصر؛ كانت مقبولة الشكل باستثناء حركاتها المبتذلة.
انطلق بالسيارة في اتجاه المدينة و سألها:" ما اسمك؟"
قالت:" ليس مهما."
قال:" و ما هو المهم يا صاحبة الصدر النافر؟"
قالت:" أجري مئتا درهم مدفوعة مسبقا"
اشتط مصطفى غضبا وقال، و هو يأخذ نفسا من سيجارته و يلوح بيديه:" هل قرأت عبارة غبي على جبيني، أم حسبت أنني نزلت من الجبل، أم أن لوحة السيارة خدعتك. أعرف أن العهر لا يتجاوز ثمنه عشرون درهما! أم أنكن أغلى من كالبنزين؟!"
قالت" باقي ما درنا فالطاجين ما يتحرق؛ إن لم يعجبك الثمن فدعني أذهب."
قهقه مصطفى:" اهاه علاه دخول الحمام بحال خروجو."
صمتا و كأن كل منهما يفكر في شيء ما.
مد مصطفى يده إليها يتحسس ساقها، وعينيه على الطريق، و كأنه يعرف مسبقا خارطة جسدها، لم تتحرك و لم تبدي أية مقاومة، لكنها عادت لتجادله في الثمن. لم يرد عليها مصطفى ضل منتبها إلى القيادة و إلى ساقها. أصرت على أن يدفع لها أولا.
أجابها قائلا:" لا تخافي لن أهرب، سأدفع لك بعد أن أقوم بالفحص التقني، الجودة هي التي تحدد الثمن."
قالت:" حاضر"
و بدت و كأنها تنوي نزع جلبابها الأسود، من فتحت الجيب تبين لمصطفى أنها لا ترتدي شيء أسفلها، فقال لها:" اهدئي البوليس في الطريق."
قالت:" ما دخل البوليس بنا، هم يؤدون عملهم، و أنا أودي عملي."
قهقه مصطفى ضاحكا و أضاف:" العمل عبادة."
صوت الحاج بلعيد الخافت بدا و كأن الوهن قد أصاب حباله الصوتية، و يبدو أن المرأة لم تستسغه منذ البداية، فقالت بعد نفاذ صبرها:" أليس لديك شريط يستحق أن نستمع له"
سأل متهكما:" لدي أشرطة عبد الباسط عبد الصمد هل تستمعين له، أم أنه لا يتفق مع ذوقك؟"
لم تجب و أشاحت بوجهها إلى النافدة. قال بصوت منخفض و كأنه رغب في الاعتذار:" الأشرطة أسفل مقعدك."
فتحت حقيبة الشرائط و جدت بها ثلاث صفوف أشرطة؛ لموزارت، لأستور بيزولا، لفيروز، لمرسيل خليفة، لشاب حسني، لإيزنزارن والشعبي، و مجموعة أشرطة فيديو كتب عليها عائلة المانوزي.
اختارت شريطا و وضعته في الجهاز، ثم مدت يدها إليه وبدأت تضغط على ساقه، شرعت في فك أزراره.
أبعد يديها قليلا، و قال:" إن الجنس و الهاتف النقال ممنوعان أثناء القيادة."
هزت كتفها وقالت:" كما تريد"
أشعل سيجارة و قال:" هل تعرفين أنه بسب الباغيات تنتعش السياحة في البلاد، وهذا ما سيسهل على الدويري جلب عشرة ملايين سائح!"
ضحكت للأول مرة قائلة:" إذا على وزارة السياحة أن تخصص لنا رواتب شهرية."
قال و قد رفع شفتيه متعجبا:" أنت مومس استثنائية، إذ ينذر أن تكن ذكيات."
قالت بصوت ناقم:" عملنا لا يحتاج إلى الذكاء"
قال:" و لما يحتاج؟"
قالت:" حين تدفع أخبرك."
كانا قد و صلا إلى وسط المدينة، نزل أمام صيدلية اشترى شيء لم تعرف ما هو إلا فيما بعد.
قصد بها إقامة كتب عليها:" إقامة السعادة"، فتح باب المأرب، و ركن السيارة، و صعدا من سلم مظلم، فتح باب الشقة الخشبي الذي عُلق عليه كف نحاسي، قادها إلى غرفة النوم الواقعة أخر دهليز به غرفتان قد بعثرت الملابس و الحقائب فيهما. فتح الباب الثاني لغرفة النوم المفضي إلى شرفة واسعة بها بعض شتائل الورد الأحمر، و آلة تصبين بنية قد تأكل بعض طلائها. بالإضافة إلى مائدة وثلاث كراسي، غالب الظن أنهم كانوا يتناولون طعامهم على الشرفة.
مكثوا في تلك الغرفة، التي احتقنت برائحة السجائر و تعرق الجسدين، مكثوا زهاء ساعة...
بعدها، شُهِـدت المرأة و هي تجتاز بوابة إقامة السعادة لوحدها، و تعدل جلبابها الأسود و هي تدس أوراق نقدية تحمل رمز الأورو في مكان ما من صدرها، حين تخطت الشارع التفتت إلى الوراء و إلى يافطة الإقامة تحديدا، و تحاشت رفع بصرها إلى الشرفة التي كان يقف فيها مصطفى المانوزي يرشف كأس شاي و يدخن، ويتأملها وهي تعبر الشارع، و تستقيل سيارة أجرة و تختفي.

يتبع

26 commentaires:

Blogger Mourai Radouane a dit...

Wakha alik, tu fais durer le suspens plus longtemps. c'est pas grave on suivra had Sîi Lmanouzi là où il ira.

2:35 PM

 
Anonymous Adamito! a dit...

Salut

Ce que j'ai le plus aimé, c'est le "زهاء ساعة" !!!
Merci c'est passionant :)

Adam

5:54 PM

 
Anonymous anima a dit...

wallah a banti ma b9iti kat7achmi
rajlik kharjo chwari
nantadiro lba9ia

9:15 PM

 
Blogger tazart a dit...

a mourai radoune:

yak galo:
tb3 al kdab tal bab dar

11:44 AM

 
Blogger tazart a dit...

adamito:
مرحبا بك أكثر من زهاء ساعة

11:46 AM

 
Blogger tazart a dit...

a anima:

عينا من الحشمة...

11:48 AM

 
Anonymous Thiyni a dit...

ملامسة لما يجري غالبا

3:07 PM

 
Blogger Rouicha a dit...

ouach hia li 3aoudat lik oulla houa oulla jen li tlakitih ftrikak ltassourt
al mohim rah al akhlak haydohoum lih fdiouana hta yarja3
oghadi yathakem onti raki chahida 3yana
tahiyati

9:39 AM

 
Blogger tazart a dit...

a thiyni:
الوطن موبوء بما يجري فيه غالبا

10:49 AM

 
Blogger tazart a dit...

rouicha:
قد لا نحتاج لمن يعري زيف و عهر الواقع ـ لا أحتاج لجني ليقول لي ما يفعله الإنس..

10:52 AM

 
Anonymous Anonyme a dit...

كــلام جميل اوى..
مش مبالغه لوقلت باشم فيه ريحه نجييب محفوظ
تحياتـــى

5:33 PM

 
Blogger أجدع واحد في الشارع a dit...

كلام بجد حلو
وبوست اكتر من رائع

11:27 PM

 
Anonymous DNR a dit...

aylino orah soul thchamt, issak tkss li3rada niboudrarn, awa s7dr alghf ikhf.

11:57 AM

 
Blogger tazart a dit...

إلي المهاجر المصري


شكرا على الزيارة
تحياتـــى

12:00 PM

 
Blogger tazart a dit...

إلى أجدع واحد في الشارع

منكم تعلمنا

12:01 PM

 
Blogger tazart a dit...

إس نيح كرا ور إلي هتي ولي اسكارن غيكان أد أور اتحشامن ماشي نكين
مدام اضهرن كمين إزد نيح ما ور يلين أيلي

12:04 PM

 
Blogger laseine a dit...


أنت مومس استثنائية يا صاحبة الصدر النافر وكتابتك رائعة

1:22 PM

 
Blogger أُكتب بالرصاص a dit...

على فكرة
اسلوبك القصصي
بيعجبني جدا

سلس

7:19 AM

 
Blogger tazart a dit...

A Laseine:




Sous le pont Mirabeau coule la seine
Et nos amours
Faut-il qu’il m‘en souvienne
La joie venait toujours après la peine.

Vienne la nuit sonne l’heure
Les jours s’en vont je demeure

Les mains dans les mains restons face à face
Tandis que sous
Le pont de nos bras passe
Des éternels regards l’onde si lasse

Vienne la nuit sonne l’heure
Les jours s’en vont je demeure

L’amour s’en va comme cette eau courante
L’amour s’en va
Comme la vie est lente
Et comme l’Espérance est violente

Vienne la nuit sonne l’heure
Les jours s’en vont je demeure

Passent les jours et passent les semaines
Ni temps passé
Ni les amours reviennent
Sous le pont Mirabeau coule la seine
G.Appolinaire.

11:58 AM

 
Blogger tazart a dit...

إلى من يكتب رصاص

على فكرة مرورك إلى حلقتي يعجبني جدا
تحياتي و لو أنني أخاف من كلام الرصاص:)

12:00 PM

 
Anonymous ploki a dit...

Je me demande comment il a pu sortir sa tête de la fenetre pour l'inviter :)
Normalement les plaques d'indications sont situées à droite de la route et nos voitures roulent du même coté! donc comment ca se fait que le conducteur assis sur le coté gauche de sa voiture puisse sortir sa tête et l'inviter... lol :D

Wa hadchi paaassiooonnaaannttt 3ndek :) Je vais attendre le 3eme episode avec impatience :p

Courage

10:21 PM

 
Blogger tazart a dit...

a ploki:
ومطور مع راسك، حتى واحد ما عاق بقولبي..

11:06 AM

 
Anonymous Thiyni a dit...

ماهو الوباء الموالي ياترى..

11:11 AM

 
Blogger tazart a dit...

a thiyni:
لقد نشر في هذه الأثناء, هل ستكون أول من يقرأه؟

11:14 AM

 
Anonymous زهير ماعزي a dit...

http://my-story.maktoobblog.com/?post=293567&postView=1

ادا اردت ان تكوني غضوا فس ناد يجمع المدونيين blogger واصحاب المتابة الصحفية والورقية بمراكش.
e30fevrier@hotmail.com

8:20 PM

 
Anonymous zohair a dit...

C kitabaclub. si tu ve etre 1 membre.

8:21 PM

 

Enregistrer un commentaire

Abonnement Publier les commentaires [Atom]

<< Accueil