" أكتب كي أبعث الحياة في الناس و في الطبيعة و في الأشياء" محمد خير الدين

10.25.2006

رجل قتله حلمه






لا أدري ما الذي جعلني أفكر في عائلة أوفقير؛ هل هو كتاب مليكة أوفقير؟
أم سماعي بأن سكينة أوفقير ستطبع كتاب أخر يضاف إلى مؤلفات العائلة المكرسة للماضي التزممارتي الذي لم يكن مجرد معتقل بل كابوس يخيم في ذاكرتها؟
أم هو رغبتي في معرفة فكيف صعد نجم أوفقير و كيف أفل؟
أغلب الانقلابات العسكرية في العالم نجحت، أتساءل لماذا لم تنجح أية من الانقلابات الثلاثة في المغرب؟ هل لأن النظام عندنا ذو أجهزة تستشعر الانقلابات حتى قبل أن تختمر فكرته في ذهن ما؟ أم لأن الملكية محمية من الله؟

تاريخ محمد أوفقير كتب بدم مغربي؛

إبان الاحتلال عمل الكومندار محمد أوفقير في صفوف الجيش الفرنسي، و بعد الاستقلال في 1956التحق بالقوات المسلحة الملكية، وفي 1959 سيرافق محمد أوفقير الحسن الثاني ولي العهد آنذاك للقضاء على الثورة الريفية المسماة:"جبهة النهضة الريفية " التي كانت تطالب بالحكم الذاتي لريف؛ على اثر ذالك تعرضت القرى الريفية للقصف لمدة أسبوعين؛ و بقية منطقة عسكرية مفتوحة لأربع سنوات متتالية، و لحد الآن لم تندمل جروح الذاكرة الريفية التي لا تخفي حنينها لعبد الكريم الخطابي الذي نوفي إلى مصر، و ستبقى بذالك منطقة مغضوب عليها و ستحرم من الزيارات الملكية لردح طويل من الزمن.
و لمكافأته سيعين أوفقير في1960 مديرا عاما للأمن الوطني.
في 1963 يبرز نجم الجنرال محمد أوفقير بقوة في المشهد العسكري المغربي بجانب أسماء أخرى أمثل محمد المدبوح، و الحسني بن سليمان... إثر ما سمي في التاريخ العسكري بحرب الرمال حيث حققت القوات المسلحة نصرا على الجيش الجزائري.
في 1965 نجح أوفقير في قمع انتفاضة البيضاء. و في السنة ذاتها ستتهم المخابرات المغربية بناءا على تعليمات القصر بالتورط في اختطاف و تصفية المهدي بن بركة بباريس. و في تلك الظروف المتوترة سيعلن الملك الحسن الثاني حالة إستنفار أو حالة الاستثناء كما سمها هو فأبيح استعمال القمع الدموي للقضاء على المعارضة و حشد التأييد الشعبي لصالح الملك بأي ثمن.
و بعد أن ثلوتت يد أوفقير بدم الشعب المغربي عبر كل المناطق الثائرة و أيضا حين ساند القصر في صراعه مع المعارضة اليسارية؛ برهن الجنرال على ولائه المطلق و صار من المقربين إلى الملك، و خولت له صلاحيات لم تكن لغيره من الضباط؛ و هذا ربما ما سيعزز لديه الطموح بأن يجلس ذات يوما على كرسي العرش.
في العاشر من يوليوز1971 الذي يصادف الاحتفال بعيد ميلاد الحسن الثاني؛ و الذي لم يكن كباقي أعياده؛ أثناء مراسيم الاحتفال بقصر الصخيرات و التي تضمن برنامجه مناورات بالذخيرة الحية؛ بدل من أن تكون مصوبة إلى الهواء صوبت جهة الملك؛ بناءا على تعليمات تلقاها جنود جلبوا من قاعدة رباط الخير قرب صفرو.
في تلك الأثناء كان هناك ضباط آخرون في مبنى الإذاعة ليذيعوا خبر عزل الحسن الثاني عن العرش، و قد طلب قراءة البيان من عبد الحليم حافظ الذي جاء من مصر ليغني لميلاد الحسن و إذا به لولا اعتذاره كان سيغني لعزل الحسن، بعد رفضه سيتولى الملحن عبد السلام عامر أمر تلاوة البيان الذي استهل ب:" إن عهدا جديدا قد انبلج بعدما ثار الجيش ضد حكم الحسن الثاني.."
و بعدها بلحظات سيبث عامل طنجة الجنرال الحسني بن سليمان عبر إذاعة طنجة بأن الملك لا زال على قيد الحياة.
كان يوما عصيبا، نُفذ الانقلاب و فشل و حوكم المتورطين قبل أن تغرب الشمس عن المغرب.
لقد شاع بأن العقيد محمد عبابو و شقيقه و الجنرال محمد المدبوح كبير الضباط المرافقين للملك؛ هم من خططوا للانقلاب؛ إلا أن هناك مقولة مفادها أن الجنرال أوفقير هو المخطط الفعلي للعملية؛ و هذا ما حدا به إلى التخلص من المتورطين في الانقلاب رميا بالرصاص بمنطقة التير على ساحل الرباط بعد يومين من وقوع الانقلاب.
وهكذا أصبح الجنرال محمد أوفقير و رغم أصابع الاتهام المشارة إليه؛ أصبح وزيرا للدفاع و قائدا أعلى للقوات المسلحة الملكية.
رغم الرعاية الملكية التي حضي بها أوفقير فإنه لم يُمهل الملك سوى سنة و نصف ليدبر له انقلابا أخرا مستغلا سوء الأحوال السياسية بين القصر و أحزاب المعارضة، و حالة الاستثناء التي رفعت في البلاد، و كذا سفر الملك إلى فرنسا؛ لتتعرض طائرته لهجوم عسكري؛ حيث انطلاقة طائرات مقاتلة من قاعدة القنيطرة؛ و كانت تهدف إلى قصف طائرة الملك وإسقاطها في البحر؛ لكن تغير الملك لبرنامج رحلته سيفشل محاولة قتله؛ حيث أقلعت طائرته من فرنسا و توقفت في برشلونة، ثم حلقت عبر الأجواء الإسبانية( بناء على رغبة الملك في رؤية إسبانيا من الأعلى)؛ و هذا التأخير و التغير هو ما أنقذ حياته.
حيث كان من المقرر أن تتجه الطائرة من برشلونة مباشرة إلى أليكانتي فتطوان فالقنيطرة فالرباط.
صحيح أن تغير خط الرحلة حال دون التصفية الجسدية للملك، كما ذكر في مذكراته، إلا أن المتآمرون نجحوا في الاتصال و إرغام القباج قائد الطائرة الملكية بأن يتبع تعليمتهم؛ و رغم تعرض الطائرة للهجوم إلا أنها تمكنت من الهبوط بمطار سلا.
و في مطار محمد الخامس كان في استقبال الملك و شقيقه الأمير عبد الله؛ عدد من الشخصيات و طبع لم يكن أوفقير من بينها؛ لأنه كان منهمكا في تدبير القيادة العسكرية.
هكذا تبث للملك تورط أوفقير، فاستقال سيارة عادية متجها نحو قصر الصخيرات دون أن يسلك الطريق الرئيسية، بينما اختباء الأمير عبد الله في قرية أولاد هلال بحصين قرب المطار، لينطلق بعد ذالك قصف المطار و القصر الملكي بالرباط لأن الانقلابيين ظنوا أن الملك و شقيقه قد توجهوا إليه.
و هكذا فشل الانقلاب الثاني، و صدر بعدها بلاغ رسمي يعلن انتحار محمد أوفقير وفاءا للعرش؛ و ذات البلاغ عُدل فيما بعد ليؤكد أن أوفقير انتحر بسبب خيانته العظمى.
أخذ النظام العبرة مما حدث؛ و لم يعد يثق في أحد فصارت حقيبة الدفاع الوطني في يد الملك مباشرة و أصبح هو قائد القوات المسلحة و قائد الأركان العامة.
هكذا انتهت قصة رجل حالم، نهاية لا أدري إن كان قد أعد لها العدة من قبل، أم لا؟

التحق أوفقير بالسماء و التحقت عائلته بقبو تزممارت؛ "فما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم"؛ هذه هي حكمة النظام.
لتبدأ بذالك قصة محنة أبناء محمد أوفقير؛ الذين كانوا ذات يوم يدخلون القصور الملكية شامخي الرؤوس، و كان يحسب لهم حساب لما سيكونون عليه في المستقبل الذي عبَّده لهم أبوهم؛ خصوصا مليكة التي اختارها الملك محمد الخامس لتربى مع ابنته أمينة كأميرة موفود علي قصر العلويين.
ربما لو تغير السيناريو الأوفقيري قليلا لكانت الآن العائلة الأكثر حظا في المغرب؛ بدل النهاية الدرمتيكية التي أودت بهم إلى المعتقل حيث سيجدون حياة أخرى في انتظارهم
يملأها الجوع و التعذيب و الابتزاز.
وضعوا في زنزانات انفرادية حتى لا يتصلوا ببعضهم البعض، ربما لكي لا يدبروا مكيدة أخرى فحتى هؤلاء الأطفال يعتقد النظام أن دم الانقلاب يجري في دمهم؛ الملوث بخيانة أقدس مقدسات البلاد السعيدة.
ورغم الوضع الكارثي الذي كانوا فيه إلا أنهم لم يستسلموا أبدا ففي عزلتهم طوروا لغة غريبة لتخاطب بينهم بالضرب بالأواني؛ ليعلموا بعضهم بأنهم لا زالوا على قيد الحياة. ليتطور الأمر إلى لغة مرموزة لا يفهمها الحراس، و بواسطتها سيتفقون على موعد لإضراب عن الطعام؛ مما كاد ليؤدي بحياة بعضهم. و سيستمر لأمر على ذالك المنوال حتى تتمكن مليكة أوفقير من الهروب من تزممارت من خلال إحداث ثقب في الحائط مستعملة
ملعقة! و اتصلت بالجمعيات الحقوقية، ثم يفر فرد أخر من عائلة أوفقير.
بعد ذالك ستعبر تلك العائلة المغضوب عليها إلى يوم الدين إلى فرنسا حيث تقيم.
لينتهي بذالك أخر مشهد لقصة تستحق أن تعرض في القاعات المظلمة، لكي لا تعرف هوية مشاهديها، فلا يغضب منا النظام؛ الذي و إن كان يغض الآن الطرف عن تلك العائلة ذات الماضي الأسود و يسمح بتداول مؤلفاتها على أرضه؛ فليس لأنه غفر لها إساءة أبيها، أو لأنه طوى صفحة الماضي كما يعلن؛ و لكن نظرا لضغط الدولي، و أكذوبة حقوق الإنسان، و الرغبة في تلميع الصورة في الخارج؛ رحمة الله على جدتي حية و ميت حين قالت:" العكر عل الخنونة".

---------
بيبليوغرافيا

الحسن الثاني؛ التحدي ص 110 و111
الحسن الثاني؛ ذاكرة ملك ص95
عبد الله حمودي؛ الشيخ و المريد:النسق الثقافي للسلطة في المجتمعات العربية الحديثة ص 48

14 commentaires:

Anonymous Touf a dit...

عيدك مبارك أخي العزيز وكل عام وانت بألف خير...

تووووووووووووف.
http://ttouf.jeeran.com/blog

1:50 PM

 
Anonymous عاشق الجمال / ياسر a dit...

كل عام وأنت بخير

سعدت بمرورك بمدونتي

شكرا على هذا الموضوع الشيق

الى لقاء

دمت بخير

2:16 PM

 
Blogger Rouicha a dit...

إلى تازارت
عيد مبروك تعيدي أو تعاودي حتى إعودو إهزوك في الكفة إلا مابغيتيش جي تاخدي البيي راه كاين ديبار غدا
أو تما نسولو المرحوم أوفقير على الحقيقة
تحياتي إليك

6:41 PM

 
Blogger Rouicha a dit...

al mohim hina samaha annidam bidalik lam yakon bidoghout ouala irdaa li ahad lakin aoussir addam ou alkaraba yak makathalmi araki 3assiata addam3i chimatoki al habso
illa katfakri diri chi haja raki ghadi tfachli hit hna bladna tbarkellah makaysdek fiha oualou

7:49 PM

 
Anonymous bluesman a dit...

سلام
لا اعرف اي عفريت ركبك لتتحول كتاباتك الاخيرة للسياسة
قد تجدين في الامر راحتك
لكن ذلك يزعجني
لقد افتقدت كلامك عن العشق والنساء

11:06 PM

 
Blogger tazart a dit...

a touf:
حياتك كلها أعياد.
أنا أنثى

12:59 PM

 
Blogger tazart a dit...

إلى عاشق الجمال/ياسر
شكرا على الزيارة
دمت بخير‘

1:03 PM

 
Anonymous Anima a dit...

tazart a hbiba allah yer7am lik lwalidine ma 3andi fine nhaz la3ssa baraka 3lina ma siassa

1:19 PM

 
Blogger tazart a dit...

rouicha:
تحياتي
أوفقير اعترف لي قبل انتحاره‘
فليس لرفاثه ما سيضيف لي

1:22 PM

 
Blogger tazart a dit...

a bluesman
السياسة هي أيضا أنثى، و بالتالي الحديث عن احدهن هو حديث عن أخرى

1:27 PM

 
Blogger tazart a dit...

a anima:

3la maln ?

1:37 PM

 
Anonymous slix a dit...

c plutot : Rajouloun 9atalahou man la 7oulma lahoum

11:34 PM

 
Anonymous Anonyme a dit...

لست من هوات السياسيه لاانها كما اشعر بها لعبة الخيانه والموت
مقال جميل شكرا لك
كل عام وانت الخير كله
كن بخير
mafhm.jeeran.com

10:57 AM

 
Anonymous Thiyni a dit...

كم من الرجال قتل هدا الحلم ياترى

12:43 PM

 

Enregistrer un commentaire

Abonnement Publier les commentaires [Atom]

<< Accueil