" أكتب كي أبعث الحياة في الناس و في الطبيعة و في الأشياء" محمد خير الدين

5.03.2008

مْتَا عْلاَ هْلِي


5
الحلقة الأخيرة


إهداء خاص إليه قبل و بعد أن تُزَاحَ الستائر


"سأجعلهم يكرهونني لأني لا أعرف طريقا أخر لحبهم"
كوتز ـ بطل مسرحية سارتر ـ
==
ورقة الفلفل الأسود

هل يحق لي أن أحب؟
الناس لايحبون محتضرا إنما يشفقون عليه؛ و هم لا يصغون إليك إلا عندما يعرفون أنك تحتضر، لا يتذكرونك إلا حين تموت، لأنهم يخافون الموت، و يحمدون الله أن موتهم لم يحن بعد، مع أن الموت خطوة ذكية في آخر المطاف.

في الحياة تفاصيل كثيرة تحدث و لا تعرف لماذا! قد تتضح معانيها فيما بعد، لكن بعد فوات الآوان دوما. تعيش أشياءا قاسية، و ظروفا رهيبة، تختفي وراء رمال الصحراء، تشعر بالعطش القاتل و يزداد عطشك؛ لأنك غبي شربت زيت علبة سردين مالح.

تطلق النار تتجنب الرصاص و في الأخير تتأمل الجثث؛ تعتبرها مجرد مناوشة لأنك دوما تتوقع الأسوأ، بعد شهور حين يقال لك أنك كنت في حرب تشعر بالصدمة لأنك كنت تعتقد أن كلمة حرب تعني شيئا أخر!!!؟
نحن شعب يحتضر؛ رأيتهم جوعى أحرقتهم الشمس أعياهم الوقوف على جنبات الطريق، و حين يمر موكب الملك بسياراته الفارهة على أطلال قراهم يصيحون ملء حناجرهم :"عاش الملك عاش" عِشْ أنت وحدك و دعنا نموت.

قال لي عسكري:" تحسست قدمي الصناعية و بكيت لما سمعت في الراديو" خلي هنا" يصف البوليساريو بالإخوان الشجعان!!!" قلت له :"هذا هو المغريب وهاذو هما ماليه!!"

يا سيدتي
جئت في عز التعب جئت في زمن الجزر، الأمة التي لا يشعر أكثرها بآلام الإستبداد لا تستحق الحرية؛ قالها الكواكبي. لا يعرف الشيء من لايعرف ضده؛ قالها أبو عثمان المغربي. فهل سنريهم الحرية باسترقاقهم؟

يا أنستي الرائعة
اذكريني كما يذكر الفقير رغيف صبح آت قبل الرقاد
اذكريني تنهد أم تذكرت فلذة كبد مسجون
اذكريني تذكر أحبة لخيانة جفاهم السهاد
و انسيني كما ينسى رجل أم عياله ليلة عرسه بأخرى.

ثم انسيني كما ينسى جندي يحتضر حب الوطن و أوسمة الشجاعة.

كم وددت أن أشاهد معكِ فيلما رومانسيا فقط لكي أحس بضغط يدك الخفيف على يدي حين يفترق الحبيبان.

سألتِني لو كان بيدي أن أعيد حياتي من البدء؟
أجبتك: لاختارت أن لا أعرفك.

كنت سعيدا بضياعي، كلما نظرت إلى عينيك أموت و أحيا فهل أنتِ المسيح؟
===

هذيان على ايقاع البروزاك

توجد ذبابة منزلية، و صرصور منزلي، و أنا إنسان منزلي، فمرحى للزمن المنزلي
homo domestcus

تعالي يا نسرين نلعب وحيدين في هاته الأحراش كأي كائنين استحقا الغربة و الوحدة.

أنا من أطفأ القمر، أنا من أشعل الشمس، أنا من أدمى المريخ
أنا الشجاع الممتليء بالفناء
أنا يوسف الذي أكله الذئب و إخوته منه براء
أنا يوسف الذي شق قميصه من قبل
أنا أيوب الذي لم يصبر أبدا
أنا إبراهيم الذي أكلته النار بردا وسلاما
أنا إسماعيل الذي مزق لحم أمه وسط الصحراء
أنا موسى بلا عصا يهش بها و يقضي بها مارب أخرى أنا موسى العوام
انا عيسى المتسول بالقدس يصعد الجبل مع شويهاته الحواريون
أنا محمد الطائر بلا براق، محمد الذي لا يقول" اذهبوا فأنتم الطلقاء" بل "تعالوا أفقأ أعينكم
أنا الكائن ممتليء حقدا و بروزاك
فاطلبوا المغفرة لأني إن مت أكون إلها في الآخرة
لا أريد أربعينية بل اذكروني مع كل قبلة و ضحكة
لاأريد جنازة و صلاة وقوف."

الاصحاح الأخير سفر الرحيل
==
إستفزاز باطمي

واعر بلاه ماساهل عشق الناس
ايا ندامتي و يا ندامتي مال كاسي حزين مابين الكيسان
و مال سكري عاجز يزول المرار
أنا يا ميلافي نبغي نجيك
و إلى جيتك عزيني
يجعل ذنب الدنيا عليك
أنت اللي فارقتيني
و يالا ماشفتوني رحموا علي
وراني مشيت
مشيت
===

عزيزتي
إلى اللقاء إن إستطعت
وكل من يلقاك يخطفه الوداع
درويش

تاريخ الوفاة 4 أبريل2008
======
الإعلان الأخير
إزاحت الستائر


بهذه الورقة تنتهي أوراق البهارات، أشكر كاتبها حيثما كان، و لأني وعدت مِنْذي قبل بإزاحت الستائر، فها أنذا أفي بالوعد؛ و أعلن أني أنسحب من التدوين نهائيا لهذا ف" مْتَا عْلاَ هْلِي " أخر إدراجٍ لي، فلا داعي لتتعبوا أنفسكم بعد الآن بنقر هذا العنوان.

قبل أن أغادر هذا الركن الآمن للبوح؛ أحيِّ كل أصدقائي و زواري، و أذكِّرهم بما قاله درويش:

" لا بد من
غائب للتخفيف من حمولة المكان
"
مع حبي
لطيفة محمد ءولحسن

4.21.2008

مْتَا عْلاَ هْلِي




4

إهداء خاص إليه قبل أن تُزَاحَ الستائر


"
كُلٌّ يراك من حيث هو،

ومن رأك من حيث هو؛

فقد رأى نفسه"..


===


ورقة إكليل الجبل


ليتني كنت واحدا من مخلوقاتكِ تحيني و تميتيني؛ على الأقل أنا واثق أنك ستختارين لي بجرة من قلمكِ ميتة رحيمة و على الأقل لن تنسيني، أردت أن أكون ذاك النفس القصير بين الجملة التي تنطقين و التالية؛ نفس غير ملاحظ سري لكن ضروري.
فكرت في الموت كثيرا و توصلت إلى أني مخطيء، فليس الموت بحد ذاته ما يخيفني، الموت لا يفزعني توجد في الحياة أمور أشد رعبا و ألما من الموت. الموت شيء خُوِّفَ به العالم؛ و من خاف حُجِبَ عنه الحق.

توصلت أيضا إلى أن الموت ليس لحظة واحدة بل هو خط متصل؛ نموت منذ الولادة؛ كل خلايا الجسم تتجدد ماعدا الدماغية؛ و أنا خسرت نصفها في محاول فهم عبثية الحياة، ما يفزعني هو أنها( أي الحياة) ستستمر بدوني بطريقة عادية، تمنيت بحقد في العديد من المرات إن مت أن يموت كل شيء معي، تمنيت بحقد لن أخفيه عليكِ لو أن مرضي كان معديا.

لما لا تكف الحياة أبدا عن إعلان قسوتها؛ تحول بيني و بينكِ و تختار لي بلاء مفاجئا لم يكن بالحسبان؛ الأمر أشبه بمرورك بشارع اعتدت المرور فيه كل صباح رتيب، و فجأة تخترقك رصاصة مجهولة تكسر عظامك، و تتركك مضرجا في دمائك تنتظر نهاية ما..

أعرف نهايتي، و لم يعد يرعبني دنوها، كل ما يهمني الآن أن أجد ساعيا يوصل رسالتي إلى عزرائيل

":
سيد عزرائيل

بعد التحية و السلام؛

أعرف أنك تنتظرني في مكان ما؛ ربما في مدرج الجامعة ، أو على كرسي السينما، أو بناصية الشارع، أو في باحة الخزانة الوطنية، أو في حانة على الكرنيش، أو في محطة البنزين.. أو في أي مكان لم أزره بعد لكن أكيد أنك تعرف أنني سأزوره في ذلك اليوم.

إن لم أغادر البيت يومها؛ فأكيد أنك ستأتي إليَّ، قد تجدني لم أغادر فراشي بعد، و قد تجدني أعد وجبة سريعة و كأس شاي، فلتمهلني لحظة رجاءا لأنهي كأسي و ألتهم شطيرتي، و أكتب آخر إميل، و أمسح ذاكرة جهازي؛ فلي أسرار صغيرة ساذجة؛ أكره أن يعرفها غيري.

ليتني أعرف أخر شيء تسمح لي الحياة بكتابته!! لمن سأبعث به ؟!!؟
سأكتب لكل اللواتي أحببت؛ كل اللواتي ترددن قبل أن تقترب شفاههن المرتجفة خجلا أو قهرا مني.

سأبعث لهن بنفس الإميل رغم أني أمقت ذالك، لكن أتمنى أن يعذرنني فلا وقت لدي؛ فقد تكون لدى عزرائيل لقاءات أخرى مستعجلة في نفس اليوم!..

لكن ماذا لو أنك يا سيد عزرائيل حدتثني قبل أن تقود روحي نحو البرزخ، ماذا لو تواضعت و سألتني أين أريد أن أموت؟ و هل لدي أمنيات أخرى ؟؟
سيدي، أفضل أن أموت مستندا إلى حافة كرسي عمومي؛ حيث لا يجلس سواي؛ أسفل عمود كهرباء بضفة وادٍ.
ولن أنزعج إن حطت النوارس فوق جثتي، أو بنت عشا فوقي، أو قضت حاجتها إن شاءت؛ فلم تعد تلك الجثة المتأملة للنهر تعنيني في شيء، فليأخدوا منها قطع الغيار، و ليدفنوها إن راعهم منظرها بعد ذالك في أي مكان .

سيد عزرائيل، تذكر فقط أنني لا أريد أن أموت في المستشفى و لا في الظلام، و أيضا لا أريد أن أموت دون أن أنهي ما أقرأه منذ أيام، و لا أريد أن أترك خلفي أوراق بيضاء لم أستعملها بعد، إن سمحت لي بإختيار يوم موتي؛ سأختار الأسبوع الأخير من الشهر؛ لأني أكون في هذه الفترة قد أنهيت قراءة كتابي، و نظفت بيتي، و إلتهمت بقايا تموين الشهر.

لحظة الموت لا أريد أحد معي، أريد أن أودع الحياة لوحدي؛ كما وجهتها دوما لوحدي، لكن لا بأس أن أرى أمي قبل تلك اللحظة، فهي الوحيدة التي شهدت ميلادي؛ فجعلها تشهد نهاية هذا المخلوق الذي شاركة في صنعه، إثر شهقة إنغاض ذات ليلة حسبتها مقمرة، و آمنت بأنها ستحمل بطلا إلى هذا العالم؛ لكن التاريخ كذب ظنها!! فأرداني بطلا في الفشل؛ كلما نظرت إلى عينيها أشعر بالخجل من كم الأحلام التي أصادفها بهما، و أتأمل جسدها و هي تدندن كعادتها و أستغرب كيف كنت داخل ذاك الجسد!! و كيف خرجت منه!؟ كيف كنت كائنا طفيليا أقتات منها!! طفيليا كالحشرات المقرفة التي تجدها وراء آذان الكلاب الضالة!!.

سيد عزرائيل لا أريد أن أموت لحظة الغروب، لأنها لحظة كئيبة، أفضل أن تقبظني إليك بين العاشرة و النصف و الحادية عشر صباحا فهي أفضل ساعات يومي.

أريد أن يكون قلبي أول عضو يتعطل؛ و سيكون كذالك لأنه الأكثر تضررا حتى الآن، أكره أن أصاب بجلطة لكنني أفضلها على الإختناق. أريد أن أموت في الربيع أو في الصيف إياك أن تنقلني في الشتاء لأني لا أريد أن أوضع في قبر مبلل و لا في الخريف لأني أكره عويل ريح بالليل
سيد عزرائيل إنسى رجاءاتي و نفذ ما تؤمر و ستجدني من الصابرين؛ لكن ليس اليوم رجاءا."

يتبع

مْتَا عْلاَ هْلِي:لو بالأمزيغية

4.08.2008

*مْتَا عْلاَ هْلِي


3

إهداء خاص إليه قبل أن تُزَاحَ الستائر


" لن يحتمل أي رجل مهمة إسعاد امرأة،

و لن يشعر بالرضا حين يفعل"

ورقة الزعفران


أسمع أول زقزقة عصفور، و أشرب أول قهوة، و أقرا أول جريدة تافهة، و أركب أول طاكسي خرج للخدمة، لما لا و أنا في مراكش منذ الرابعة صباحا، هي لا تعرف أني لا أنام، لكن كيف عرف السائق ما يدور بذهني!!؟ ليختار قرصا بين الأقراص، و صوت بين الأصوات؛ لأدندن و كأن الصوت من قلبي غنى لا من الجهاز:" .. خلف الطرقات مشيت
و تخيلتك خلف كل الشبابيكِ
حبيتك تا نسيت النوم
تانسيـــت نفسي
تانسيت الزبل المحيط بي
حبـيـــــتك..."

أمتص برد صباح مراكش و أنتظرها، حين جاءت تجولنا في جامع الفناء.

أمسك العراف بيديها الجميلتين، و خط خطوطا بأصابعه الخشنة المتشققة على كفها، و حدثها عن: حسد النساء و عن طِباع النساء و حب النساء..

قلت له في نفسي:" من أدراك أيها المتسول بطِباع الملائكة!!؟"

فاجئها بأسئلة عن حبيبها فخجلت؛ سألها إن كانت تحبني أنا أم آخر؟!!فسكتت.

لم أعرف كيف أنقذها من ورطتها!!؟؟

- "آلم ترى كمارتي أيها الوغد!! كيف تحبني هي؟ كيف!!؟"

طردني من باراسوله* المليء بالثقوب.

من بعيد بدا لي إبن الق ... يوصيها، أخذ عشرة دراهم، و ابتسم في اتجاهي بمكر.

-" ماذا قال لكِ؟" سألتها
أجابة: " لا شيء مهم.."

حين ألححت عليها قالت إنه سألها إن كانت تعيش معي، عرفتُ أنه قصد العيش الجنسي؛ يالا العراف خبيث!!.

تابعنا التجوال لم تكن تضع مكياجا؛ مجرد كحل جعل عينيها تشعان، حكت لي كيف أن الخبز الحافي لشكري صدمها؛ لم تفهم لما مارس الطفل شكري الجنس مع الشجرة و الكلب و المعزة!!

كنت أحدثها فمدت يدها لتطرد ذبابة كانت قد استقرت قرب فمي؛ ابتسمت لها و نسيت ما كنت أقوله.!!

يتبع

مْتَا عْلاَ هْلِي:لو بالأمزيغية
*المضلة الشمسية

3.30.2008

*مْتَا عْلاَ هْلِي

2
إهداء خاص إليه قبل أن تُزَاحَ الستائر



ورقة سكين جبير

درس في الحب


اكتشفت أثناء، عادة لي يكرهها طلبتي؛ و هي بحثي المتواصل في محافظهم الصغيرة و بين ثنايا دفاترهم؛ اكتشفت في دفتر تلميذ أحبه اسمه خالد؛ رسالة غرامية إلى تلميذة أحبها أيضا اسمها لطيفة؛ كتب بعربية ركيكة

:«من خالد إلى لطيفة

الحب بين شخصين

و هذا الشخصين هما خالد و لطيفة .»

ثم رسم قلبا ووقع باسمه.!

كان محرجا أن يراني أقرأ الرسالة الرقيقة، فتظاهرت بأني لم أر شيئا، و لعله صدق.!

و تذكرت حكاياتي يا تلاميذي الأعزاء؛ لو تدرون فقط ما أعرفه؛ لو هذه التي تقول عنها أمي أن العلماء حاروا في كتاباتها و استعصت عليهم؛ هي تقصد لو الأمازيغية طبعا؛ "مْتَّعا لا هللي" "متا علا هلي"، "متى على ها اللي" متى..

تذكرت يا خالد و يا لطيفة الصغيرين؛ يوم كتبت رسالة في ورقة مزقتها من دفتري ذات صباح، و كتبت رغم البرد كلمات وديعة إلى تلميذة تجلس قبالتي اسمها كلثوم ذات العيون الخضر، فلما أرسلت رسالتي هواء؛ و ما رميت إذ رميت و لكن شيئا ما رمى؛ إعترضتها يد المعلم من حيث لا يدري أحد، وتفحصتها عينه التي لا تنام، و انهالت عليَّ لكماته و صفعاته:« حتى أنت تتغزل أيها " البزقول"!!!» و بكيت يومها.

يا خالد و يا لطيفة إن أحلك أيامي في سني الذي قارب الثلاثين؛ هي الأيام التي قضيتها عاشقا!!.

تذكرتُ، مع كل حرف كتَبْتَهُ و استأمنتَه يا خالد ليوصل لوعَتَكَ إلى لطيفة، تذكرت يوم كنت ذا ست سنين نحيفا في القسم الأول؛

يرعبني أني ما أزال أذكر اسمها، لما أذكر اسمها؟

اسمها زهرة باباس إبنة دركي، تقربت منها مستعرضا تفاحة لحظة الاستراحة،

قالت بصرامة:« أنت لا."
و اسبتعدتني من مجموعتها!!

كنت أحبها! نعم أحببتها بسنواتي الست وسنواتها الست.

قالت:« رأسك كبير ابتعد.»

منذ ذاك اليوم أحس بأن رأسي كبير يرزح ثقله على كتفي!

يا زهرة يا باباس يا ابنة الدركي لم جنيت علي؟.

لم أتحرش بفتاة يوما في شارع و لم أعرض منذاك اليوم شيئا؛ لا صداقة، و لا تفاحة استراحة على أية فتاة.

لم أتحرش لا لأني نسائيُّ أومن بحقوق النساء، و عارف بفظاعة الممارسة، و لكن لخوفي و جبني و خجلي الشديد.

حرام عليكِ يا زهرة يا باباس
==
حين اكتشفت أن رأسي ليس بالكبير ليُنفر الفتيات عني، التقيت بمليكة؛ استغرقت وقتا طويـلا في محاولة فهمها، وفهم تناقضاتها، عرضت عليها صداقتي حين خرجنا ذات يوم معا من باب جامعة "ابن زُهر"،

كانت عينيها تقول:« ..نعم .. أحبكَ أيها الأبله... أحببتكَ من زمان ..أحبكََ و رأسك ليس كبيرا.. أحبكَ رغم أنك لا تملك التفاح ..و لا تملك شيئا.!!»

في الحقيقة "أحبكَ" كلمة لم أسمعها يوما، عدا من لواطي عشقني ليلة سكر طافح ببار بأكادير!! و أراد شيئا لم يكن في استطاعتي إعطاؤه له. لكن عنادها أجاب؛ نعم عناد مليكة أجاب:« أجيـبكَ بعد أن أفكر.. بعد رجوعي من سفري من مدينة الصويرة..»

كانت عنيدة صدقت عينيها، لكن كلماتِها لعوبة جارحة.

انتظـرتُُ.. و انتظـرتُ إلى أن جاءني صديقنا عبد الله حتما إن سألته قد يتذكرها؛ جاءني ينعي مليكة؛ قضت نحبها في حادثة سير "إنبعجبت" فيها سيارة مع أخرى و اختفت مليكة..

حرام عليكِ يا مليكة
حرام عليكِ يا زهرة
==
سافرت سرا إلى قرية بطريق أكادير و الصويرة حيث وقعت الحادثة، و تدبرت أمري لأراها ممددة في سرير ما؛ بأطراف غير مستقيمة من منظورنا؛ بعثرت نقودا لحارس مستودع الأموات؛ و تركني أحملق في السرير..

لم أجرؤ على إزالة الغطاء ذي البقع الحمراء الذي يغطي جثثها...

خرجت بعد أن قلتُ لها:« مليــكة فكري الآن طويـلا، و أبلغيني قراركِ، خذي وقتكِ يا مليكة..!» بكيت لأسابيع
==
تذكرت أيها العاشقين الصغيرين كلما وقع، و رأيت أن موقفي و طيبو بتي كمُدَرِّس لكما؛ ستجعل أمركما مثاليا و رائعا؛ وهذا أمرٌ لا يستقيم مع أحوال هذه الدنيا الزفت و بشرها الزفت و آلهتها الزفت؛ فاعذراني إن أنا فرقكتما اليوم؛

-« اجلس يا خالد هناك، و أنت يا لطيفة تعالي هنا، سأعلمكما اليوم أول درس في المرارة من دروس الحياة الحقيقية. .» يتبع

----------
* مْتَا عْلاَ هْلِي: لو بالأمزيغية

3.22.2008

1مْتَا عْلاَ هْلِّي


1
إهداء خاص إليه قبل أن تُزَاحَ الستائر


لوأنني عَلِمتُ ما تحتويه تلك الأوراق التي لف فيها العَطَّارُ البهارات؛ لطلبت منه بقايا ذاك الدفتر المتهرئ الذي مزقها منه، أو لاشتريت منه المزيد من البهارات على الأقل!.

لم أحتفظ بلفائف البقال أو العطر يوما، و لو أنني سمعت أن أحدا فعل ذالك لاستغربت و ربما لسخرت من تصرفه!! فلا يمكن أن تكون للأوراق الملطخة بالمشتريات أي معنى أو فائدة!! إلا في حالة هذه الأوراق التي أحتفظ بها في دُرجي؛ بين مذكرتي، و خمسة عشر قلم لم أستعمله بعد، و جواز سفري، و مصحف صغير لم أفتحه منذ مدة، و صورة جدي بالأبيض والأسود !

لماذا أوثر هذه الأوراق المضمخة يألون و نكهات البهارات؟! أقرأها كِورْدٍ يومي، و أُحَدِثُ نفسي عقب كل قراءة!! هل صدقت تبوأت أبي و شارفتُ أولى مراتب الجنون؟!؟
تعودت على أَغْرَبِ نزوات الكُتَّاب، إن اعتبرت تلك الكائنات؛ التي أتقاسم معها رطوبة المقاهي الساحلية، و صخب الحانات الرخيصة؛ و التي تمسك دائما بقلم بين الوسطى و السبابة؛ و تتأبط كتابا و تطالع جريدة في شرودٍ و هي تقطع الشارع؛ إن اعتبرتهم كتَّابا؛ فلم أسمع أبدا أن أحدهم قد وهب مُسْوَدَّتَهُ للعطار أو للبقال ليلف فيها سلع زبائنه!.

ليثني أدركت العطار قبل أن ينهي أوراق ذاك الدفتر! البائيس ظنني سأفتح دكان عِطارة حين عُدتُ إليه أسأله عنه أو أي دفاتر مشابهة، فأسدى إلي نصيحته شامتا: " سيدتي، إن الزبائن لا يُهِمُهُم أين تَلُفِّينَ لهم البهارات؛ المهم أن تبحبحي لهم الكمية..!!"

لو أنه لم يجهز على ذاك الدفتر !

لو أنني حصلت على باقي الصفحات!

لو..لو.. متا علا هلي1..

أتحسر و أعود لترتيل ما كُتِبَ في تلك الأوراق علا حرفا ما يقودوني إلى صاحبها


===


ورقة جوز الطيب

قالت امرأة لكوتز2:« أنا أحبك!» قال:« وماذا أستفيد أنا في حبك؟!؟ أنتِ وحدكِ من يستمتع!!»

- لم تعد الكتابة تنسيني يوصي الأطباء بالبروزاك
- زوريـنــي ثم عاودي الرحيل
=====



ورقة الفلفل الأحمر


ضحكتكِ ما تزال تجلجل في أذني بشكلاً غريب!!

و أغرب من ذاك؛ هذا الفعل العربي "جلجل"؛ خاصة وهم يصفون حيوانا وديعا؛ بالأفعى المجلجلة، سحقا للغة تغتصب نفسها.

لكن رغم ذلك لضحكتكِ وقع غريب!! كصوت كورال أغنية الخلاص لاوفرا هازا لا يمكن أبدا نسيانها
===
لقد شربت أربع بيرات و حسبت نفسي شجاعا لما أكملت الأخيرة في بار الفندق الذي حدثتكِ منه، هناك يعرفونني جيدا؛ لأني حين زرتهم أول مرة؛ كانت هناك ساحة صغيرة يتوسطها مسبح مملوء بالمياه؛ تسبح فيه أوراق شجر الخريف.

شربت يومها و أحسست بالكحول في معدتي لم يتغير من وقع الاختلاط بالأحماض، و انسل إلى أمعائي و امتزج بدمي، فضخه القلب إلى الدماغ فطاب له المقام في ما ترجمه علامة العرب بالمخيخ؛ بأس الترجمة و الكلمة، و هو المسؤول عن توازن الجسم و الوعي، و هناك يكون قد وقع مفعول ما أسماه محمد بن عبد الله أم الخبائث وقد صدق.

فحسبت، و حسب المخيخ السكران معي، نفسي راهبا بوذيا تجري المعجزات على يدييه.

حسبتها معادلات رياضية؛ الكتلة تنخفض بالسرعة؛ إسنتتاج إينشطايني شيطاني؛ جريت بسرعة ظننتها كافية لتلغي كتلتي؛ و تجعلني خفيفا على صفحة المياه، خطوة ثم ثلاث إلى أن أحسست بضغط الماء يشتد على أذني و أنا أغرق في المسبح، و السكارى يصرخون.

غريب أني لم أحس بالماء يدخل إلى رئتاي بل إلى أذناي!!!

منذ ذاك اليوم لم يملؤوا المسبح أبدا، أصبح مقفرا، وملاذا لأعقاب سجائر السكارى
===



ورقة عود الفانيلية

لا تجعليني أخطو نحو الحياة، فإن فعلتُ تركتُ كل شيء، و تسمرتُ تحت نافذتكِ كل الليالي، أنا نفسي أخاف على نفسي من تطرفي في التفاصيل التي تسمينها شجاعة! لا تجعليني أخطو نحو الحياة، و لا تتركي يدي أيضا .
====



ورقة القرفة

لا أحن إلى خبز أمي
كان رديئا ربما هي تحن إلى خبزي
لا أحن إلى قهوة أمي
كانت تشرب الشاي فقط
ربما هي تحن إلى قهوتي
أنا لا أحن إلى أمي
لكن أحن إلى الوقوف كثيرا
====
=



ورقة الكمُّون

الكلام يفضح تفاهة الرجل


Veux tu entendre ma voix!!!?

bon, je vais te raconter une chose; un film de Jack Nicholson son titre en anglais est " As good as it gets". Jack a rencontré une femme, ils ont eu des problèmes après une histoire d'amour "fechkal". La femme a dit à Nicholson : " when I see you, I thought you are handsome, but you spoke of course".

" ("Quand je t’ai vu, j’ai cru que tu étais beau, mais comme d'habitude tu as parlé
Je veux dire que quand l'homme parle il montre sa stupidité. Les femmes intelligentes regrettent leurs rencontres; c’est pour cela que tu veux entendre ma voix!!!?

...chaque jour, je découvre que j’ai été très stupide hier, et je ris des choses que j’ai fait.

... ne crois jamais un homme qui n'a jamais aimé, il peut changer d'attitude rapidement

--------
1 مْتَا عْلاَ هْلِّي:لو بالأمزيغية
2 بطل مسرحية لسارتر

يتبع

3.10.2008

أضواء شاردة



ترتفع الطائرة و يصُغُرَ حجم عمان و معه كل الأردن؛ إلى أن صارا مجرد بقعة ضوء تختفي خلف الحجب بعد حين. وزعت المضيفة البطانيات كترياقا لهذه الليلة الباردة، دفئ البطانية أغراني بالحلم، بالحديث الصاخب الصامت مع ذاتي؛ ليت سعد عاد معي إلى المغرب!! لما يكلفنا الحب ما لا نحب!! لما يكرر دوما نفس النهايات المرتجلة !!

تزاحمت المرارة بجوفي و تعاركت مئات الأصوات بداخلي، ليت الذهن كان كالمعدة لأتجشأ ما فيه في مرحاض الطائرة؛ و أتخلص من الأشياء المضطرمة بجوفي، ليت لي ذاكرة مثقوبة لأنثر هواجسي في سماء الأردن و تصبح نجوما تنير هذه الليلة الكالحة!!! انتبهت للشاشة أمام مقعدي التي تشير إلى أننا فوق أجواء فلسطين؛ ربما لفظة فلسطين كانت تعني في قاموسي أكثر من مجرد بقعة ضوء بعيدة، أو مجرد حدود محاطة بالأسلاك؛ كما بدت حين رأيتها رفقة سعد غرب عمان على ضفة البحر الأحمر!! أخرجت حاسوبي من الحقيبة لأخط بعض الخطوط، أو انطباع يصلح كفكرة لموضوع لوحة قادمة؛ لكن الارتباك الذي اعتراني جعل من المستحيل أن أمسك بشيء محدد، أو أتتبع تطوره الداخلي بدخلي؛ لم أخط شيء و بعد عدة محاولات عدلت عن الفكرة، و ضغطت على ملف الصور التي التقطتها بعمان، اخترت إحداها كخلفية للجهاز؛ كانت أجمل صورة مع سعد وسط منتجع خليج تالا، أدقق النظر في عينيه المشعتين لا أستطيع تفسير ندائهما! حين تأملت جبهته العريضة تحسرت أنني لم أكتب عليها جملة واحدة من كلمة واحدة تضم الفاعل و المفعول به! لكن لا ألومني؛ لأني لم أعرف أبدا أن الجباه مناطق حساسة!.

- «ههههه!» التفت إلى المرأة الجالسة بجانبي و قد سيطرت عليها قهقهة هسترية؛ و دون أن توقف ضحكتها تماما؛ قربت إليَّ المجلة التي كانت تقرأ فيها قائلة:« هذه دراسة تثبت أن الجزر يقوي الجنس.!» في تعجب ابتسمت دون أن أعلق بشيء يذكر، لتضيف هي بعد ذالك:«يقال غالي و الطلب رخيص، و في حالة الجزر و الجنس ستصبح المقولة: رخيص و الطلب غالي..!»

ابتسمت لها مرة أخرى دون أن أجاريها في الحديث فرأسي المجهد لم يكن ينقصنه سوى الثرثرة في هذا الموضوع بذات مع هذه المتأسلمة التي كانت تحوقل منذ لحظات و الآن تحوم حول الحمى!.

مرة خمس ساعات على توديعي لسعد، هل تكفي خمس ساعات لرجل كي ينسى امرأة ما؟ لعله قد اجتاز ميناء نوبيع، و لعله سمع أحدا يقول :«ادخلوا مصر إن شاء الله أمنين!» أو لعله هو من قالها.

من أين يأتيني كل هذا الحنين و الشوق إليه؛ هل صرت؛ دون أن أدري؛ خزان عشق لا ينضب! يالا ساذجتي! لعله نسيني فعلا، لعله قد استغفر لربه عن خطيئة هم بها؛ و لو أن المسافة لم تفرقنا عنوة لكان الذنب أعظم، و لما حسب حساب ما كان سيقع!. آه يا نهر الأردن لو لم أزرك ذات صباح بارد !؟ و لو لم يتأخر سائقي عن العودة، و أتسمر من البرد في انتظاره ، ليمر سعد و بعد ربع ساعة من الحديث و الانتظار انتهى أول لقاء لنا بعد أن اصطحبني إلى رواق الفنون الجميلة بحي الشميساني حيث أعرض منذ أسبوع، على موعد بلقاء مسائي بمقهى بيل موندو و رغم أنني زرت المقهى مرارا إلا أنني لم ألحظ عبارة التي كتبت أسفل لفتاتها let's dream together Also
رددها سعد كثيرا تلك الليلة قبل أن يعيدني إلى فندق ماريوت حيث أنزل، و اتفقنا على موعدا صباحي في الغد .

بعد أن أشرقت شمس عمان بأشعتها خجولة؛ و في الموعد المحدد كان سعد بحقيبة ملابسه في انتظاري بكفتريا الفندق، شربنا القهوة معا، ثم قصدنا المعرض و ساعدني في لمِّ لوحاتي، و تناولنا الغداء معا، و بعد إلقاء نظرة أخيرة على عمان أوصلني إلى المطار "الملكة علياء الدولي" لأستقيل طائرة نحو المغرب، و يبحر هو في باخرة نحو مصر عبر خليج العقبة.

غريب أمر هذه الأقدار التي تتحكم فينا بخيوط غير مرئية، نلتقي ليوم و نصف و نحس بأننا نعرف بعضا لسنوات خلت! و نودع بعضنا البعض دون أي وعد بلقاء محتم! هكذا ابتدأت القصة و هكذا انتهت مبدئيا!!.

لما أتي دائما بعد فوات الأوان !!؟! كل الذين أحببتهم على مدى خمسة و ثلاثين سنة كنت متأخرة في للقائهم فلم تمهلني الحياة سوى بضع للحظات لا تكفي سوى لوداعهم!!

غصت بين ثنايا ما علق في ذهني من اللقاء، دون أعي ما يجري حولي؛ فلا صوت المضيفة أيقضني من شرودي، و لا المرأة الغامضة في المقعد المجاور؛ و إن كنت لاحظت أنها أزالت العباءة و الوشاح الأسودين اللذان كانت ترديهما في بداية الرحلة، و صار عطر جي فينشي أكثر قوة عليها !! . و صلت إلى مطار الدار البيضاء الشوارع، لم تتغير عما كانت عليه قبل عشرة أيام؛ و إن كانت ما تزال تتأب؛ الآن يمكنني القول بأنها لم تكن سوى مجرد عشرة أيام. توالت المحطات و الطرقات أمامي؛ من المطار إلى القطار إلى سيارة الأجرة الحمراء إلى درب السلطان إلى سريري لأحضن جسدي و أنام. استسلمت لنوم مضطرب، مصحوب بلحظات صحو تداهمني فيها أصوات تأتيني كآذان فجر من مئذنة بعيدة، ليوقظني بعد ذالك صوت هدير شاحنة الأزبال و صياح عمالها، و ارتطام دلو حديدي بالأرض قبل أن يتابع تدحرجه على طول الزقاق. هل كنت أحلم؟ أم أنني كنت فعلا في الأردن البارحة!! تأكدت من الأمر حين مررت يدي على خدي؛ الذي ما يزال يحتفظ بذكرى سعد، قبل أن أتذكر ملمس يديه الغائبة، سمعت رنة الهاتف تنبئني بوصول رسالة قصيرة تركت السرير باحثتا عنه
« Oh!! My reality
You looked like a queen,
Or princess in the dream,
You are so cute,
Saad. »

فتحت نافذة لعل الشمس تزيل الرطوبة المحتقنة بالغرفة، لم أبالي بمسح الغبار المتراكم عليها؛ و لا بتهدئة ضجيج العواصم التي أحمل في رأسي؛ و التي زادت رسالة سعد من حدة طنينه، استغربت كيف أن جسدي لا زال يصر على تحمل هذا الرأس الأخرق!!.. هل ضغط أحدهم على الزر فأطفأ رأسي المشتعل؟ لأقرر أن أصمت قليل، و أستحم لأتخلص من بقايا عطر روبرتو كڤالي* الذي استعمله سعد.

حين اكتشفت أن قنينة الغاز كانت منتهية قبل سفري؛ لعنت النسيان، و قناني الغاز التي لا تخبر عن موعد انتهائها، و روبرتو كڤالي الذي طاف على جسدي .! قصدت ركني الآمن للبوح لأكتب شيء بعد طول غياب، و عبارة لا تكف عن ترديد نفسها عليّ دون توقف؛ لا أدري ما الذي ذكَّرها بي و لا ما الذي ذكرنِي بها!؟! قالها عجوز عند أحس بِدُنُوِّ انطفائه:«.. أكتب هذه الأسطر عن ضعف؛ لو كنت قويا لما كتبت شيئا؛ لو كنت قويا لروَّضتُ الحياة؛ و لصرت سيد رغباتي و رغبات الآخرين
«
«J’ai écrit ces lignes par faiblesse; si j'avais été fort, je n'aurais rien écrit, si j'avais été fort, j'aurais dressé la vie et serais devenu le maître de mes désirs et ceux des autres.»

انتهت

2.23.2008

*أضواء شاردة

تنبيه:«*تعود أحداث النص إلى ما قبل منع دخول المغربيات دون 36 سنة إلى المملكة الأردنية الهاشمية."
ا)

«سأذهب..» قالها كالموجوع!

و بصوت مفجوع رددت خلفه:« ستذهب!!؟؟» لأنني لم أصدق بأننا سنفترق بهذه السرعة، أو على الأصح لم أصدق بعد أننا التقينا..

«ربي لا أعترض على مشيئتك، لكن لما جعلت في جوفي قلبا مغفلا هشا!!؟ لما جعلتني أحب شخص ليس لي؟ لما جعلتني أتعلق بطيفٍ راحلٍ يبخل عليّ بلحظة واحدة!!.»

أشار إلى سائق سيارة الأجرة الذي كان ينتظره منذ أن أوصلنا إلى باب مطار عمان الدولي قبل ربع ساعة.

في سري تمنيت لو أن السائق ذهب لحاله و ترك سعدا معي، لكن آني لهذا الزلمة الزنبرك الغشيم ـ بعض بركات الأردن ـ أن يسمع نداء امرأة لا تريد من هذا الكون برمته؛ سوى لحظة في مكان هادئ مع رجل قد لا تجزم بلقاء آخر بينهما!! أريد لحظة واحدة فقط لأودعه على طريقتي، لكن لا حياة لمن تنادي! يالا هذا الزمن البخيل!!

« لقد مر الوقت بسرعة !!» قالها سعد ربما ليوقظني من جفولي أمام الرصيف ..

صرت أمقت أرصفة الوداع في العالم بأسره .. فما أكثر من غَيَّبتهمُ الأرصفة عني. ليصبحوا مجرد ذكرى؛ أو عناق في عجل، يليه غياب بلا عودة، كثيرا ما كنت أعود إلى ذات الأرصفة كلما اشتقت إليهم؛ لأسألها إذا ما عادوا؟ أو مروا من هنا يوما ما؟ و إذا ما تذكروني، و أسألها عن نوع عطرهم و لون قميصهم و هل كانوا لوحدهم، أم أن أخرى ودعتهم على ذات الرصيف حيث ودعتهم ذات مساءٍ أو ذات صباح..!!؟

السائق يشير إلى سعد ليصعد، و قلبي يشير إليه بأشياء لا حصر لها؛ أردت أن أبكي، أن أتعلق به كالأطفال أو حتى كالمجانين قائلة :« لا تذهب ..أرجوك .. بحق أغلى شيء لديك لا تذهب.. عد معي إلى المغرب.. و سأبني لك بيت دافئ فوق الأطلس.. و سأنصب لك خيمة ظليلة في الصحراء .. و سأنحث لك نصب تذكاريا في قلبي..سأفعل أي شيء، و كل شيء؛ لكن فقط لا تذهب الآن..أرجوك؛ أوقف ساعات العالم، أوقف الأرض عن الدوران؛ افعل أي شيء لتبقى معي..لا أطلب ما تطلبه النساء من قبلي أو من بعدي؛ لا أريد قصرا، و لا ماسا، و ذهبا، و لا أطفالا حتى، أريد فقط؛ نسمة هواء، و قطرة ماء، و جذوة نار، و لحظة معك ..رجاءا لا تكن بخيلا!!» تاهت عبارتي في طريقها إلى فمي فلم أسمع منها حرفا واحدا! و لم يعي غيري لحظة ميلادها و لا تأبينها.

مد يده ليودعني؛ لينهي المشهد المشخص أمامه، و ذاك الصراع المرتجل بداخلي؛ تلقفت يده كالمستغيثة علها تفهم رجاء يدي الباردة المرتجفة، فتقنعه ليبقى للحظة أخرى...

نفذ صبر السائق من الانتظار و تعب من التزمير و من تعديل عقاله فوق غطاء رأسه الأحمر؛ ففتح الباب و بعد أن حدق إلينا مليا؛ صاح و هو يمرر يده على شاربه الرمادي:«يا أستــاذ ستتأخر عن الباخرة.. لازال أمامنا طريق طويل.. يجب أن أُوصِلكَ إلى ميناء العقبة قبل حلول الظلام!!»

تجاهلتُ كلام السائق، و أبقيت يدي ممسكتا بيد سعد بقوة، حين وجد أن يدي تأبى إطلاق صراحه؛ تردد قليلا ثم تقدم بوجهه نحو خدي... قبل أن أعي تمام مقدار وخز ذقنه كانت يدي قد تركت يده في استسلام..

قفز إلى السيارة بسرعة مخافة أن تفوته الرحلة إن هو استسلم لنداء صدري الملح ساعتها.. لينطلق السائق بسرعة قصوى كالشامت من توسلاتي البكماء.

رحل دون أن يترك لي شيئا؛ سوى هدير بأذني، و وخز بخدي! يالا هذا الزمن البخيل!! مع ذالك أحسست بالفخر لأن دموعي لم تترقرق إلى حين أغلقت خلفي مرحاض المطار، و استمتعت في نرجسية بالشكل المنعكس في المرآة؛ تورم عيني، و احمرار أنفي، و خطوط الكحل الممزوج بدموعي، جعلوا من وجهي لوحة سريالية، يصعب أن أرسم مثلها يوما. لم أدري كم مر عليَّ من الوقت و أنا على ذلك الحال!! استرجعت أنفاسي و عدَّلت من شكل البشاعة قليلا؛ كي لا يفزع مني رواد المطار، ثم غادرت المرحاض، لأخذ دوري في طابور التفتيش و التأشير على جوازي و التأمين على لوحاتي، التي قضيت نحو ساعة رفقت سعد نلفها بعناية، أنهيت الإجراءات و جلست أتأمل عمال النظافة، و أودع وجوه الأردنيين، فمن يدري قد لا أعود مرة أخرى!! و أَمْتَنُّ لهم سرا على أن لقاء مهم قد وقع على أرضهم.

عند بوابة الطائرة التفت إلى الخلف، لتأكد أن لا أحد يركض في مدرجات المطار ليلحق بي كما يحدث في أفلام هوليوود، و يهمس خلفي:« لن نفترق..لأني لا أحتمل لحظة أخرى بعيد عن عينيكِِ، و جاذبية الأرض كلها لا تساوي جاذبية ابتسامتك..إني رجل متعب جدا؛ فأفردي حولي ذراعيكِ؛ فصدرك كل ما أحتاج إليه لأكون بطلكِ إلى الأبد..»

لكن لا أحد تعقبني سوى تلك الوجوه جامدة المسافرة مثلي في هذه الليلة.

أخذت مكاني بجانب إمراة لم تكف منذ جلست عن الهمهمة بما يشبه دعاءا حين لاحظت انتباهي لحركاتها قالت بلكنة حجازية واضحة:« العواصف الثلجية و المنخفضات الجوية تكثر في هذا الفصل و تسبب الحوادث.. ربنا يستر..»

آه لو عَلمت هذه المؤمنة أنني قبل ساعتين فقط كنت أشتهي رجلا؛ و لو أنه أمهلني لحظة أخرى لكنا قد أنجبنا عشرة أطفال دفعة واحدة.. آه لوعَلِمت بذالك؛ ربما لجاهدت فيّ حق جهادها!!

يتبع